د. محمد بن إبراهيم الملحم
هذه المقالة تنتمي إلى نوستالجيا التعليم، حيث سأذكّر فيها أبناء جيلي الذين كانوا يستلمون شهاداتهم المطبوعة على قطعة كرتونية ملونة صفراء أو زرقاء أو حمراء أو خضراء بحسب السنة الدراسية التي هم فيها وربما وجدوا عليها دوائر حمراء وضعها المعلم بالقلم الأحمر في بعض المواد التي لم يوفقوا في النجاح فيها! كما أنها تحمل توقيعات معلميهم الذين درسوهم كلٌّ أمام درجات مادته في تلك الشهادة وربما شاهدوا في الأسفل توقيعات بالقلم الأزرق أو الأخضر أو حتى الأحمر مع ختم المدرسة كما أن هذه الشهادات يضعها الطلاب في أكياس بلاستيكية شفافة يعطيها لهم أهلهم عندما يذهبون للمدرسة لاستلام الشهادات لتحفظها هذه الأكياس من التلف حتى تصل إلى الأهل ويشاهدونها ثم يعيدها الطالب إلى معلمه في اليوم التالي.
أدعو هذا الجيل أن يتذكر معي ماذا كان يفعل في الأيام التي تشبه أيام أسبوعنا الحالي هذا والذي يأتي بعد إجازة العيد ويسبق عودة الدراسة، حيث يكلفهم معلمهم قبل الإجازة أن لا يعودوا إليه بعد العيد إلا وقد أنجزوا واجباً منزلياً خاصاً بتلك الإجازة، وهذا الواجب غالباً ما يكون كتابة أحد الموضوعات في مادة المطالعة (أو أكثر من موضوع) في ورقة أو دفتر مع تكراره عدة مرات، فربما يكتبه 10 مرات أو أقل أو أكثر، بحسب رغبة الأستاذ، وهدف المعلم هو أن ينشغل الطالب خلال فترة الإجازة بشيء يذكّره بالمادة العلمية ومهاراتها، ولا يجد المعلم خيراً من مادة المطالعة، حيث يمارس فيها الطالب القراءة والكتابة معاً وأي شيء أفضل من هذه المهارة. لقد كانت شاقة قليلاً، وكان واجباً ثقيلاً وربما كدر صفو هذه الإجازة، ولكنه اليوم ذو طعم جميل عندما نتذكر كيف أن هذه الواجبات كان لها أثر كبير في تحسين قدراتنا التعبيرية والقرائية والكتابية، فالتفوق العلمي يبدأ من التفوق في القراءة والكتابة كما هو معروف.
هذا النوع من الواجب المنزلي لا يعرفه جيل اليوم ولا حتى جيل الأمس القريب، بل هو جيل الستينات ووائل السبعينات فقط ليختفي بعدها تماماً ولا أدري لماذا! واليوم لو فكر أحد المعلمين بإعطاء واجب منزلي مثل هذا لقامت الدنيا ولم تقعد، ولكان أول مثبطي الطلاب عن أداء هذا الواجب هم الوالدين أنفسهم ولذهبوا وراجعوا المدرسة وربما إدارة التعليم أو حتى كتبوا للوزارة حول هذه الممارسة القاسية! وإني لا أهدف من هذه الكتابة إلى تشجيع المعلمين على فعل ذلك (مع ثقتي أنهم لن يفعلوا طبعاً)، كما أني لا أهدف أيضاً إلى دعوة الوزارة أو أي مسؤول أن يقرِّر مثل هذا الواجب، فهو نشاط كان له دوره التاريخي وانتهى، بحكم أن له بيئته التي كانت تناسبه ويمكن له أن يعيش فيها، ولكني أذكر هذا المثال فقط لأسترجع هذه الذكرى مع أصحابها، ولأقدم للجيل الجديد معلومة لا يعرفونها ليتأملوا من خلالها بعض جوانب جدية التعليم سابقا.
***
- مدير عام تعليم سابقاً