فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
في عام 1999م، وتزامناً مع الاحتفالية بمئوية التوحيد، تشرفت «دار ليان الثقافية» بالمساهمة في تلك المناسبة التاريخية من خلال معرض (التوحيد) الذي أقيم في بيت نصيف في جدة التاريخية (البلد). وقد أبرزت هذه المناسبة رسالتنا في ربط الحقيقة والخيال، وعكست عبر اللوحة والصورة الاهتمام بالبعد العمراني والتراثي والبيئي لمختلف مناطق مملكتنا الغالية.
بدأنا رحلتنا عام 1982م، من مدينة الطائف لتغطية مملكتنا الحبيبة بمناطقها الخمس: الغربية والشرقية، فالجنوبية والشمالية، وأخيراً الوسطى برفقة الفنان الراحل (جيرهارت ليبمان) الذي تعرفنا عليه قبل ذلك بعام، حين شدّتنا لوحته لمنارة مسجد في الطائف في أحد المعارض بمدينة جنيف القديمة، فكانت بداية التواصل مع الفنان. دعونا (جيرهارت) فوصل إلى الرياض، وتواصلنا مع الصديق الدكتور عبدالله مصري، وكيل وزارة المعارف للآثار آنذاك، حيث تكرم بالعمل معنا ومع الفنان لتحديد ما يقارب من ستين موقعاً تاريخياً مهماً مغطياً مناطق مملكتنا الغالية التي تستدعي المحافظة عليها وننشر الوعي بأهمية صونها، وإبراز رسالة (أصدقاء التراث).
استمرت رحلتنا نحو عشر سنوات، حيث كان يحضر (جيرهارت) ويقوم برحلة ميدانية إلى إحدى المناطق برفقتنا أو برفقة أحد الفنانين السعوديين، فيرسم تصور سكتش (Sketch) للمعالم الأثرية المنتقاة، ثم يعود إلى مرسمه في نيويورك ليُنجز اللوحات ويبعث بها إلى (دار ليان الثقافية).
استمرت العلاقة حتى توفى الفنان الذي أحبنا وأحببناه. وكان يتواصل مع الفنانين السعوديين لحثهم على الاهتمام بتراث وطنهم وتوثيقه فنياً وإبرازه معمارياً حفاظاً عليه. كما قدم مقترحاً لهيئة تطوير مدينة الرياض لإنشاء متحف يُعنى بإبراز التراث والمحافظة عليه، وقدم تصميماً -على ما أذكر- ليقام في منطقة المطار القديم، الذي أصبح -ولله الحمد- بدعم واهتمام قيادتنا (حديقة الملك سلمان). وبعد وفاة الفنان وحزننا على صديق عاشرناه وفقدناه، بقيت اللوحات محفوظة في ذاكرة حزن الفقدان حتى عام 1997م، حين أُعلن عن الاحتفالية بمئوية التوحيد.
دعونا المصور المبدع البرازيلي (أومبرتو دي سيلفييرا) ليسير على خطى الرسام (جيرهارت) ويصور المواقع التي عكستها كاميرته بأسلوبه المميز بالأبيض والأسود محاكياً رسالة (أصدقاء التراث) لتُقارن بين حال المواقع التراثية حين رصدها الرسام في اللوحة، وبين وضعها الذي -للأسف- غيّرت معالمه عوامل الزمن وإهمال صونها حين التقطتها الصورة.
أعاد (بيت نصيف) الذكريات، وجمع (أصدقاء التراث) مؤكداً أهمية إحياء رسالتنا للحفاظ على تراثنا، في مناسبة تحيي وتذكر بتوحيد الوطن على يد القائد الموحد والمؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله، حاملاً راية التوحيد موحداً القلوب والأهداف والمصير. جمعنا بيت نصيف لأول مرة بعامل التراث الصديق سامي نوار، منذ أن أمر المغفور له- بإذن المولى- الأمير ماجد بن عبدالعزيز، أمير منطقة مكة المكرمة آنذاك، بإقامة معرض (التوحيد) في بيت نصيف بمناسبة الاحتفال بالمئوية، بعد تعذر إقامته في (أبرق الرغامة)؛ لأن المركز لا يزال قيد التشييد.
كما جمعنا سطح بيت نصيف في كل عام في شهر رمضان المبارك، للاستمتاع بمنظر الغروب وسماع الأذان يرفع من المساجد المحيطة وتناول الإفطار منذ عام 1999م، بترتيب ومتابعة وعناية الأخ سامي نوّار، حتى عام 2022 م، حين قامت وزارة الثقافة -مشكورة- بطرح برنامج ترميم المنطقة التاريخية، فتعذر اجتماع السطح الذي كان الجميع يتطلعون إليه. إلاّ أن أصدقاء التراث واصلوا عادتهم بالتجمع أمام بيت نصيف في كل رمضان منذ ذلك العام، للقيام بجولة رمضانية ليلية وتناول السحور في أحد مطاعمها.
في هذه السنة 2026م، كان تجمع (أصدقاء التراث) ذا طابع مميز؛ إذ كانت ليلة عطاء ومحبة وإبداع، شهدت تكريم (أصدقاء التراث) لعامل التراث الصديق سامي نوّار.
كانت ليلة تجوال ربطت الماضي بالحاضر والمستقبل، حيث جمعنا الصديق سامي أمام بيت نصيف مستذكراً سنوات اللقاء، ثم قادنا -متقمصاً دور المرشد السياحي- سيراً على الأقدام، وسط الآلاف من محبي جدة التاريخية من زوارها الحاضرين في هذه الليلة المباركة، متحدثاً إليهم ومشاركاً إياهم فرحة الروح الرمضانية.
بدأنا الجولة بزيارة حفريات الشونة التاريخية، ثم شارع قابل وتاريخه التجاري والمالي الموثق بالطوب المذهب في أرضية المسار، ثم إلى متحف البحر الأحمر، واستعراض مستقبل إعادة وإحياء منطقة (البنط) التاريخية؛ وفي نهاية المطاف توجهنا إلى (بيت نوّار) لمشاركة (أصدقاء التراث) سحورهم في بيت يعود تاريخه إلى ما يقارب ثلاثمائة عام..
مسك الختام كان تعبيراً فاق الكلام، عكسته رسالة صادقة أمينة جسدها العمل الفني الذي أبدعه الصديق الفنان ربيع الأخرس باسم أصدقاء التراث مقدماً في مجسم (عامل التراث) حاملاً ومحافظاً وحاضناً جدتنا التاريخية وبيده مفتاح خبايا تاريخها العريق.
أدام الله علينا هذه الروح الصادقة التي تجمع (أصدقاء التراث) على ثرى هذا الوطن الغالي، محافظين وداعمين ومساهمين في التوعية بأهمية الحفاظ على تراثنا وتاريخنا وأصالتنا، رابطين ماضينا بحاضرنا (الأصل بالعصر) ومتطلعين إلى مستقبل زاهر تحت ظل قيادتنا الرشيدة، وما تقدمه مؤسساتنا ذات العلاقة، داعين المولى -عزَّ وعلا- أن يديم الأمن والأمان والاستقرار، ويوحد الكلمة تحت راية التوحيد، إنه القادر الموحد والمستعان.