عبدالعزيز صالح الصالح
تُعدُّ المنتديات الثقافية لها دور فعَّال في التثقيف الذاتي للفرد والمجتمع ومهما تعددت وسائل التثقيف الأخرى فإن دورها أقلَّ بكثير من دور الكَتَاب، وسيبقى أنجح وسيلة لكسب المعرفة وأفضل طريقة للتفكير السليم البناء حيث تعقد بين الفيِّنة تلو الفيِّنة لقاء ثقافي، محاط بالودَّ، والاحترام، والتقدير، والمحبَّة، والتعاون، من قبل هؤلاء الحضور الكرام في ساحة أمام بيت من بيوت الله على حافة وادي حنيفة التَّاريخيِّ، حيث تمتد على جانبيه مزارع عريقة، تحتوي على أشجار النَّخيل الباسقة، ويحيط بها النَّسيم العليل، والثِّمار المتنوعِّة والطيور المغرِّدة حيث يدور الحوار والنَّقَّاش بينهم وكل شيء حولهم هادئ، ونور هادئ، ونسيم هادئ، وحوار هادئ، فهؤلاء الأخوة الأعزاء يختلفون في ثقافاتهم، وعلومهم، وأفكارهم، وأهدافهم وتطلعاتهم، ويتحدون في قوَّة عقولهم وسعة نظرهم، ونبل عواطفهم، فالكل ملم بمادة معينة في ذهنه وحينما ينطلق الحوار فالجميع يبحث عن الأفضل والأكمل لا يكون مقبولاً فقط، لكنَّه يكون مطلوباً ومتعيِّناً..
لأن الكمال لله وحده والمعصومون هم الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام فيما يخبرون عن ربهم، والبشرُ كلهم بلا استثناء مهما علت درجات علمهم، واتسعت مدارك عقولهم يجوز عليهم الخطأ كما يجوز منهم الصواب.. لكنهم مطالبون بالرجوع إلى الصواب إذا اتضح لهم، وبمقدار سرعة عودتهم إليه تعظم مكانتهم وتسمو اقدارهم فقد أخذ النَّقَّاش بين كافة الأطراف يسير بطريقة سهلة وميسرة وفي اتجاه سليم، مرَّة يرتكز على مجال معين، ومرَّة يتعلق بالأدب، ومرَّة يتعلق بالعلوم الشرعية، ومرَّة بالتاريخ، ومرَّة بالمجال الرياضي، ومرَّة بالتراث، ومرَّة بالجغرافيا فقد أجاد أحد الحضور معللاً ما تلده الأمَّة من علماء، وأدباء، ومفكرين، فإن الزمان شحيح في ولادتهم، فقد يمر العصر الطويل وهو عقيم، ثمَّ يلد رجال متعددي المجالات فهم يطورُ وجه تاريخ الأمَّة، وكأن في أيدهم عصا سحرية يحولون بها الحديد ذهباً، والخمول نشاطاً، والضعف قوَّة، فالتَّاريخ نفسه أكبر شاهد على ذلك.
أما النوابغ العظماء من البشر عادة يخلفهم من يؤمن إيماناً تاماً بمبادئهم، فيسيرون على طريقهم، ويكملون ما بدأوا به، وإن كانوا أقلَّ منهم قوَّة وأضعف أثراً.
فهذا هو قانون التاريخ قديماً، وهو قانونه حديثاً، فلو أتاح الله لأمم اليوم لوجدوا الرِّجال الأوفياء، حتى يغيروا مجرى حياتهم ويرتفع شأنهم ويلتفت العالم إليهم كل شيء في هذه الحياة يرجع إلى المادَّة، فهي التي تعكس صورها وأثرها على العقل، فيجب أن تتغير المادَّة أولاً ثمَّ يتبعها العقل في التغير فيكون الرقي أو الانحطاط، ولو رجعنا إلى التاريخ – لوجدنا كل الآراء وكل النظم ترجع إلى أساسها إلى البيئة التي نشأت فيها والتغيرات التي وضعت لها – لقد كان الإنسان الأوَّل يعيش على مهن متعدِّدة، في ذلك الحقبة الزمنية، فكانت آراؤه وأفكاره ومعيشته مشتقة من بيئته، ثم أخذت البيئة، تتدرج رويداً رويداً، مما جعل آراؤه تتغير، وتتنوع معيشته وحاجاته تبعاً لذلك.
مما جعل أنواع الحياة وتفاصيلها وعواملها تتحول إلى أكثر تعقيداً، لأن كل النظم القديمة النابعة من البيئات القديمة لم تفقد أثرها كثيراً سواء من تعاليمها ووحيها لأن مظاهر هذه الحياة متشبعة ومتعدِّدة.
فقد قال الشاعر الحكيم:
ليس ينسى مُرَ الحياة كريم
إن مُرَ الحياة يحلو ادكارا
إن روانا التاريخ فجراً فإنا
أمة الشمس لم تزل فيه نارا
فالعالم اليوم قوَّى جسمه، وقوَّى عقله، وقوَّى قلبه، وقوَّى يده، فإن قوَّة الرُّوح هي التي تغير الأمة وتخلق المادَّة، فالتَّاريخ يرشدنا إلى أن القوَّة المادَّيَّة كالقوَّة العسكرية.
فإن الفكر والرؤية الثقافية، تُعدُّ جسورا مهَّمة تربط الأمم لإيصال ثقافتها إلى بعضها بعضاً، فلها الفضل في نشر مختلف العلوم والمعارف، وأنها كانت لغة الفكر والعلم والحضارة وبها كتب نخبة من العلماء والحكماء أمثال ابن خلدون، وابن الهيثم، والبيروني، والخوارزمي ،والرازي، وابن حيان، وابن سينا، وكلهم تجمعهم أوطان مختلفة ولكنهم يلتقون في عقيدة واحدة هي الإسلام.
قال الشَّاعر الحكيم:
أسرة في الجمال والحب كانت
مثلما العُشُّ يُطلقُ الأطيارا
أما لقاء الأخوة الكرام على حافة وادي حنيفة وبين ما يحيط بهم من أشجار النخيل تشبه سفينة شراعية عند روض الفرج فقد بلغ الوادي أوجه في علوه وفخامته وشدة طوله واتساعه وتعدد مساراته الملتوية، وتنوع أشجاره وتعددت جلساته، وتعددت جداوله، وبلغ القمر أوجه في جمال نوره، وامتزج جمال القمر بجمال اشجاره المتنوِّعة، وبجمال ممراته فكان لنا من ذلك متعة فنية، ومتعة عقلية حتى سارت بنا السفينة الشراعية إلى بر الأمان.
وشكراً لكل من ساهم في هذا اللِّقاء، ولكل من شارك وقدم النصح والتوجيه، والفائدة.