فائز بن سلمان الحمدي
الوطن عهدٌ يسكن الضمير، ووجعٌ إذا أصابه الخدش ارتجف له القلب قبل الأرض. وحين يُصاب الوطن، لا تبحث القلوب عن الأخبار بقدر ما تبحث عن الصوت؛ ذلك الصوت الذي يعرف كيف يقول الألم دون أن يفضحه، وكيف يسمّي الوجع دون أن يكسِره، وكيف يضع الكلمات على الجرح كما توضع الكفّ على القلب: برفقٍ، وبصدقٍ، وبحبٍّ لا يعرف الرياء. وفي مثل هذه اللحظات الثقيلة، حين تضيق العبارة، وتزدحم المشاعر في الصدر كأنها تبحث عن مخرج، يعود السؤال القديم الذي لا يشيخ: من يتكلّم بلسان الوطن حين يعجز أبناؤه عن الكلام؟
ومن يمنح القلق لغةً تليق به، فلا تزيده اضطرابًا، ولا تُلبسه ثوب الحماسة فقط؟
هنا تحديدًا يُستحضَر اسم خلف بن هذّال.
لا لأنّه شاعرٌ فقط، فالشعراء كُثُر، بل لأنّه كان صوتًا؛ صوتًا يعرف الطريق إلى وجدان الناس كما تعرف المياه طريقها إلى العطش.
لم يكن ممّن يتغنّون بالوطن لأنّ التغنّي جميل، بل لأنّ الصمت في بعض المقامات خيانةٌ لا تُحتمل. كانت كلمته تخرج من موضع المسؤولية قبل أن تخرج من موضع البلاغة، ومن عمق الانتماء قبل أن تخرج من زينة العبارة. وحين كان يتحدّث عن الوطن، لم يكن يصف أرضًا فحسب؛ كان يتحدّث عن قلبٍ كبير اسمه البلاد. كان يحمل وجعها في صدره ثم يسكبه في الكلمات كما تُسكَب الدموع: صافيةً، صادقةً، لا تعرف التكلّف. ولهذا لم يكن شعره ضجيجًا يمرّ ثم يهدأ، بل كان طمأنينةً تسكن في القلوب. لم يكن يهيّج العاطفة، بل يرتّبها.
لم يكن يرفع الصوت، بل يرفع المعنى.
ولم يكن يزايد على الوطن، بل يفهمه.
وفي أزمنة الشدّة، حين يثقل القرار، ويضيق الأفق، وتختلط الأصوات حتى يكاد الحق يضيع بينها، كان صوته يخرج ثابتًا؛ لا صاخبًا، لأنّ الثبات أصدق من الصخب، وأبقى من الانفعال. كان يعرف أنّ الوطنية ليست أن تعلو الحناجر، بل أن تعلو القلوب بالصدق.
وأنّ حبّ الأرض لا يكتمل إلا بالثقة في قيادتها، والوقوف معها حين تشتدّ الأيام، لا حين تهدأ.
ولهذا لم تكن قصائده صدى مناسبة، بل عهد طويل بين الكلمة والوطن. كلّما مرّ الزمن ازداد شعره رسوخًا، لأنّ ما يُكتب من صدق لا يشيخ، وما يخرج من القلب يجد طريقه إلى القلوب ولو بعد حين.
كان يتكلّم عن الأرض وكأنّه يخشى عليها من التعب، وعن الدولة وهو يدرك ثقل الأمانة التي على كاهلها. فلا يُفرّط في هيبة القرار، ولا يساوم على كرامة الوطن، ولا يُجامِل وجدانًا عابرًا. ومع مرور السنين لم يخفت صوته، لأنّه لم يُخلق ليواكب لحظةً عابرة، بل ليكون معيارها.
ولهذا حين يُعاد سماع شعره اليوم، لا يعود الناس إليه بحثًا عن جمال العبارة فحسب، بل عن الطمأنينة؛ تلك الطمأنينة التي يشعر بها الإنسان حين يدرك فجأةً أنّ الوطن أكبر من كلّ الخوف، وأبقى من كلّ العواصف. وعندها تمتلئ العين بالدمع، لا لأنّ الكلمات حزينة، بل لأنّ القلب أدرك الحقيقة الكبرى: أنّ الانتماء ليس فخرًا فقط… بل وجعٌ أيضًا. وجعٌ جميل، لكنه ثقيل. وهكذا يبقى خلف بن هذّال أكثر من اسمٍ في سجلّ الشعر.
يبقى صوتًا يُفتقَد كلّما جُرِح الوطن. لأنّه كان يعرف كيف يقول الألم دون أن يجرح الكرامة، وكيف ينطق بالحقيقة دون أن يُضعف الثقة.
وكيف يجعل من الكلمة سندًا للوطن لا عبئًا عليه. وفي أزمنة الأزمات، حين تمتحن الأيام صدق الانتماء، ندرك أنّ الوطن لا يحتاج إلى كثرة الأصوات بقدر ما يحتاج إلى صدقها.
وهنا نفهم لماذا يشتدّ الحنين إلى صوتٍ مثل صوته؛ لأنّه كان إذا تكلّم شعر الناس أنّ الوطن نفسه يتكلّم بلسانهم. وحين تفيض العين بعد قراءة شعره، لا تكون دمعة حزنٍ عابرة، بل دمعة امتلاء.. دمعة إنسانٍ أدرك أنّ هنا في هذا الموضع من الكلمة تكلّم الوطن حين عجزنا عن الكلام.