محمد الخيبري
على إيقاع الطموحات الوطنية العالية، وفي ظل دعم حكومي سخي وتاريخي وضع الرياضة السعودية في قلب المشهد العالمي، استأنف المنتخب السعودي الأول لكرة القدم رحلة البناء الفني الشاقة لنهائيات كأس العالم 2026. فمع انطلاق المرحلة الثالثة من البرنامج الإعدادي على أرض الملعب الرديف بمدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة مساء الثلاثاء، بدا واضحاً أن سقف التوقعات هذه المرة لا يحده حد، وأن رحلة الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تتطلب تحضيراً استثنائياً يوازي حجم الحدث.
لم تكن تدريبات الأمس مجرد بداية لرفع المعدلات اللياقية، بل كانت تجسيداً لاستراتيجية فنية شاملة يقودها الداهية الفرنسي إيرفي رينارد. وبنظرة فاحصة للميدان، أشرف رينارد على تدريبات المنتخب الأول والمنتخب (B) في آنٍ واحد، في خطوة تعكس الرغبة الأكيدة في خلق دكة بدلاء قوية وتوسيع قاعدة الخيارات الفنية..
هذا التوازي في الإعداد يمنح الجهاز الفني فرصة ذهبية للوقوف على مستويات اللاعبين الصاعدين ودمجهم في منظومة الصقور، لضمان جاهزية بديلة قادرة على سد الثغرات في أي لحظة، وهو درس مستفاد من المشاركات المونديالية السابقة.
غيابات مؤثرة
هاجس الإصابات يطارد الصقور وسط هذه الأجواء التفاؤلية، لم تخلُ البداية من منغصات فرضتها لغة الإصابات القاسية.. إذ يترقب الشارع الرياضي بكثير من القلق الحالة الصحية للقائد الفذ سالم الدوسري «التورنيدو»، الذي يمثل ثقلاً معنوياً وفنياً لا يعوض في خارطة الأخضر، بالإضافة إلى صخرة الدفاع وصلابته الكابتن حسان تمبكتي.
غياب هذا الثنائي عن ملامسة الكرة في بداية المعسكر يضع الجهاز الطبي تحت ضغط كبير لتجهيزهما، ويفرض على رينارد اختبار حلول دفاعية وهجومية بديلة.. فالحاجة لتمبكتي في عمق الدفاع، ولسالم في صناعة الفارق الهجومي، هي حاجة تكتيكية قصوى لا سيما ونحن نواجه مدارس كروية تعتمد على القوة البدنية والسرعة في التحولات.
اختبار «الفراعنة».. كلاسيكو
العرب في «الجوهرة»
تتجه الأنظار يوم الجمعة المقبل، السابع والعشرين من مارس، إلى ملعب الجوهرة المشعة، حيث يستضيف منتخبنا الوطني شقيقه المنتخب المصري في ودية من العيار الثقيل. هذه المواجهة تتجاوز كونها مباراة تجريبية، فهي «بروفة» حقيقية لقياس مدى استيعاب اللاعبين للتكتيكات الجديدة أمام مدرسة كروية عريقة تمتاز بالانضباط والمهارة، وستكون فرصة مواتية لرينارد لاختبار تجانس الأسماء الجديدة في ظل غياب بعض الركائز الأساسية..
من حرارة جدة إلى برودة بلغراد
وعقب موقعة جدة، سيطير الأخضر إلى جمهورية صربيا لخوض التحدي الودي الثاني أمام المنتخب الصربي في الحادي والثلاثين من مارس الجاري.
هذا التنوع في اختيار المدارس الكروية - بين العربية الأفريقية والأوروبية الشرقية - يعكس ذكاءً في التخطيط الإداري والفني، حيث يسعى الجهاز الفني لتعويد اللاعبين على أجواء الضغط البدني العالي والكرات العرضية والسرعة التي تمتاز بها الكرة الأوروبية، وهي ذات الأجواء التي سيصطدم بها المنتخب في المجموعات المونديالية المرتقبة..
استثمار الدعم.. ورهان الشارع
وإن ما يشهده معسكر جدة اليوم هو انعكاس حقيقي لاستثمار الدعم اللامحدود من القيادة الرشيدة، التي وفرت كافة الإمكانات ليكون الأخضر رقماً صعباً في المحفل العالمي.
الشارع الرياضي السعودي اليوم لا ينتظر مجرد المشاركة المشرفة، بل يطمح لرؤية صقور يحلقون عالياً في سماء القارة الأمريكية، مسلحين بالإرادة والموهبة والتحضير العلمي الدقيق.
هي أيام من العمل الصامت والتحدي الكبير، يرسم من خلالها رينارد ورجاله ملامح الحلم السعودي القادم، مؤكدين أن الصعاب والغيابات ليست إلا حوافز لتقديم نسخة مونديالية تليق باسم المملكة ومكانتها الرياضية العالمية.