عمرو أبوالعطا
وخوف العقل قديم؛ لم يكن أوله رفض قبول الوجود، ولن يكون آخره البقاء لأكثر من قرن في ظلام الشك، شك فشلت الفلسفة كلها في رفعه عن الإنسان، شك لم ينقذه منه إلا الحب. إنسان كان اسمه إيفان، ولن أضيف جديدًا فالصراع معروف، يعرفه الضمير كله منذ مصيبة السقوط الروحي وحتى فاجعة العدم.
لن أكشف جديدًا حين أقول المعروف والمشهور: إن ملحمة آل كارامازوف، التي وضعها دوستويفسكي كشهادته الأخيرة على الإنسانية، شهدت تضامنًا وتعاطفًا وجوديًا، وحدّت القراء على الكرة الأرضية أمام سؤال؛ كيف نعيش؟ ولا قلب له من لم ينخلع قلبه على إيفان، منذ سقوطه في بئر التمرد العقلي، وهو يرى أفكاره تتحول إلى دماء، ولا عقل له من لم يحزن على موت الإيمان في قلب إيفان، بعد سنين من الجدل المضني الذي قامت به روح دوستويفسكي في روسيا الأرثوذكسية. ولا قلب له من لا يسأل: ثم ماذا بعد؟ فهل العقل الذي يرفض العالم يستحق الخلاص؟
إن التعاطف والتضامن الإنساني كان حاضرًا وبقوة في «مأساتنا الكارامازوفية»، وقد كان حاضرًا أيضًا في وجه أليوشا كارامازوف؛ ونحن لم نر ولم نتابع إيفان وهو يلفظ أنفاس العقل الأخيرة في مواجهة شيطانه، وهو تجلٍّ لكبريائه ورفضه للإيمان، لكن العالم كله - أقصد الفلسفة كلها - رأت أليوشا وهو يلفظ أنفاس الإيمان بـ»الحب الفعّال»، في الليلة التي واجه فيها شكوكه بعد رحيل مرشده، الشيخ زوسيما. كانت صرخته العقلية، المدمرة والمليئة بالرفض الأخلاقي؛ «لا أريد أن تكون أمي وابني، إذا لم أكن متأكدًا أنهما سوف يلتقيان هناك مع الأطفال الذين عُذبوا، ولن يغفروا، سيحتضنون بعضهم البعض، ودموعهما ستمتزج بدموع الله. لا يمكنني أن أقبل هذا التناغم. لا أريده، حتى لو عُرض عليّ».
وهي جملة تفضح عمق التساؤل الوجودي الرافض لـ»تذكرة الدخول» إلى العالم، عالم يبدو فيه الشر جزءًا لا يتجزأ من الخطة الإلهية. وكانت آخر الكلمات التي سمعناها من الشيخ زوسيما، الذي يمثل التقليد الأرثوذكسي الأصيل لـ»الستارشيستفو» (Eldership) كمرساة روحية لأليوشا، هي الدعوة إلى المسؤولية الكونية والحب الفعّال، قائلاً ومؤكدًا ؛ «على كل إنسان أن يعتبر نفسه مسؤولًا عن خطايا الجميع.»
في هذه الملحمة الروائية، يقدم دوستويفسكي تحليلًا غير مسبوق لجوهر الوجود؛ فـأليوشا يمثل القطب الإيجابي الذي يرى في الإيمان مصدر القوة المعنوية والراحة الروحية. وهذا الإيمان ليس مجرد اعتناق سلبي لعقائد تقليدية، إنما إيمان متجذر في الحب العملي، الذي يركز على ضرورة عدم النفور من العالم، بل تقديسه بحب الحياة المتجذر في الإيمان. حيث أن جوهر تعاليم زوسيما الذي تشربه أليوشا هو أن الإيمان هو عمل يومي متواصل من التضحية والرحمة، حتى تجاه أسوأ الأعداء، وهذا المفهوم يُعلي من قيمة التضحية والرحمة، ويضع ثقلاً إيجابيًا على الإرادة الحرة، التي يُطلب منها العمل بلا توقف.
أليوشا نموذج طوبوي أصر دوستويفسكي على إمكانيته، متحديًا بذلك اليأس الفلسفي السائد في عصره، الذي كان يميل إلى التجريد والشك. فالأليوشا ليس قديسًا مثالياً معزولًا في صومعته، هو الإنسان الذي يعالج جروح العائلة والمجتمع، متجاوزًا الشك العارض الذي يواجهه بعد وفاة شيخه، ليعود إلى الإيمان من خلال رؤيا سماوية يدرك فيها أن الإيمان الحقيقي يكمن في قبول الحياة ومحبتها بجميع تناقضاتها، ليصبح الأداة التي يحاول بها دوستويفسكي علاج جروح العائلة والمجتمع من خلال الحب العملي الذي يرفض الانفصال عن العالم المادي. إيمانه يمثل الخيار الإيجابي للإرادة الحرة: الحرية هي القدرة على أن تحب الجميع دون شروط، وأن ترى جمال الله حتى في أحقر الأماكن.
أما إيفان كارامازوف، فهو تجسيد للشك العميق والتمرد العقلي الذي يمثل تساؤلاً وجوديًا حول عدالة الله، وهذا الشك يتجاوز الرفض المادي لوجود الخالق ليصبح رفضًا أخلاقيًا للخليقة برمتها، وهذا ما يتجسد بوضوح في فصل «التمرد» (Rebellion)، حيث يرفض إيفان قبول فكرة وجود تناغم أو سعادة أبدية مبنية على قطرة دم واحدة لطفل معذّب، مفضلاً الشك والألم على القبول الأعمى لمأساة العالم، مفضلاً حريته الأخلاقية الشخصية فوق المصلحة الكونية المزعومة. إيفان تمثيل للعقل الغربي الحديث في أقصى درجات كبريائه، حيث يطالب بالكمال الفوري ويرفض التسليم بالتناقض، معتقدًا أنه يستطيع أن يحاكم الخالق بمقاييسه البشرية المحدودة، وهو الطريق الذي اعتبره دوستويفسكي البوابة إلى العدمية والجنون.
ذروة هذا التحدي تتجسد في قصيدة «المفتش الأعظم»، التي يرويها إيفان لأخيه أليوشا، وتعد تحديًا مباشرًا للإرادة الحرة التي منحها المسيح، حيث يعود المسيح إلى إسبانيا في القرن السادس عشر، ويلتقي بالمفتش الأعظم الذي يمثل الكنيسة الكاثوليكية كمنظمة سلطوية، ويتهمه بأنه أخطأ عندما رفض الإغراءات الثلاثة للشيطان في الصحراء. فبرفضه لإغراء تحويل الحجارة إلى خبز، أثقل كاهل البشرية بحرية الاختيار التي لا يقوى البشر على حملها، ويجادل المفتش بأن الناس يريدون الأمن قبل الحرية، ويفضلون «الخبز» (الأمان المادي) على الحرية الروحية. كما يرى المفتش أن المسيح أخطأ برفضه السلطة الدنيوية لتوحيد البشر، ورفض المعجزة القسرية التي تجبر أحدًا على اتباعه، ليقرر المفتش أنه سيسلب الناس إرادتهم الحرة ويهبهم الوحدة والضمير الهادئ عبر الغموض والمعجزة والسلطة. وهذا يثبت أن الشك المطلق لإيفان يقود إلى الاستنتاج بأن الحرية بلا هدف، ومن الأفضل أن تُسلب ليحل محلها السكون والسلطة، وهو ما يمثل ذروة العبقرية الدرامية لدوستويفسكي في ربط الشك الفلسفي بالديكتاتورية الروحية والسياسية التي تضحي بالحرية من أجل النظام.
تشكل الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية النقطة التي يلتقي فيها الشك بالإيمان، حيث يختبر الأبناء الأربعة نتاج اختيارهم، وتظهر إمكانية كل من الخلاص والدمار. يجسد ديمتري كارامازوف الابن البكر الفوضى العاطفية والطبيعة الروسية المندفعة والمليئة بالتناقضات، فهو يمثل الصراع الأخلاقي بين الجمال «السادومي» (سودوم) والجمال «المريمي» (مادونا)، فحياته عبارة عن سلسلة من الصراعات المشتعلة، سواء كان خلافه المالي مع والده على الميراث، أو تنافسه العاطفي معه على حب جروشينكا . ديمتري الضحية الحية للإرادة الحرة غير المنظمة؛ فهو ليس شريرًا بالجوهر، لكنه يمتلك «قوة هائلة» كانت يمكن أن تقوده إلى قمة السمو أو قاع الانحطاط. ورغم إدانته ظلمًا بجريمة لم يرتكبها، يختار ديمتري في النهاية تقبّل المعاناة والسجن، وهذا القبول ليس استسلامًا بل فعل من أفعال الإرادة الحرة المقترنة بالمسؤولية، حيث يدرك أنه مذنب ليس بارتكاب الفعل المادي، بل بـ»نيته» و»رغبته» في القتل وبحياته الفاسدة بشكل عام. تصبح المعاناة لديه طريقًا للخلاص الروحي والتطهير الأخلاقي، حيث يكتشف «الإنسان الجديد» بداخله عبر الألم.
في المقابل، يأتي دور سميردياكوف، الابن غير الشرعي وضحية الإهمال المجتمعي، الذي يمثل حرية التطبيق العدمي. فهو يجسد الأثر المدمر لفلسفة إيفان عندما تقع في أيدي شخص يفتقر إلى الضمير والأخلاق، حيث يتلقف سميردياكوف فكرة إيفان الفلسفية: «إذا لم يكن هناك إله، فكل شيء مباح»، ويفسرها بطريقة حرفية عملية ويستخدمها لتبرير قتل الأب فعليًا. سميردياكوف هو الوجه القبيح والأكثر صدقًا لفلسفة إيفان، فهو يمارس خياره نحو التدمير المطلق، دون أن يمتلك النبل الروحي لديمتري أو النضال العقلي لإيفان، لكن فعلته هذه ترتد لتدميره هو شخصيًا، حيث ينتهي به الأمر بالانتحار بعد اعترافه لإيفان، مما يثبت أن الإرادة الحرة التي تنفصل عن أي رابط أخلاقي أو إيماني تقود حتمًا إلى الهلاك الذاتي والعدم المطلق. أما إيفان، فينهار عقليًا بعد الجريمة لأنه يدرك أنه كان «المحرض» الفكري لسميردياكوف، حيث يكشف صراعه الداخلي مع الشيطان، الذي هو تجلٍّ لكبريائه ورفضه للإيمان، أن الشك المطلق يؤدي في النهاية إلى الجنون والعجز. فالحرية، عندما لا ترتبط بقيمة أخلاقية متجاوزة كما هو الحال مع أليوشا، تصبح عبئًا يفقده السلام الداخلي وقدرته على مواجهة الواقع. إيفان يمثل هنا عبء الإرادة الحرة التي ترفض الإيمان، وهذه الحرية، عندما لا ترتبط بقيمة أخلاقية متجاوزة، تصبح سيفًا يقطع حاملها.
يختتم دوستويفسكي روايته بتحويل التركيز من الجريمة إلى الخلاص والأمل، وبالتحديد عبر دور أليوشا ودوره القيادي المستقبلي، حيث تتركز الفلسفة النهائية للرواية في كلمات الشيخ زوسيما، الذي يحث على الحب اللامشروط وقبول المعاناة، وتمثل تعاليم زوسيما ردًّا مباشرًا على شك إيفان. فبدلاً من الرفض العقلي لمعاناة العالم، يواجهها زوسيما بالدموع والشفقة، ويدافع عن الحرية التي منحها المسيح، مدركًا أن الحب المختار بحرية هو وحده الذي له قيمة روحية. ويتجسد الأمل في المشهد الختامي الذي يركز فيه دوستويفسكي على أليوشا وعلاقته بمجموعة من الصبية، وأبرزهم إيليوشا سنيجيريف الذي يموت بعد معاناة طويلة. وهذا التحول في التركيز بعيدًا عن محاكمة ديمتري (الصراع الدنيوي) يمثل بيانًا لدوستويفسكي عن الأمل والخلود الأخلاقي. ففي جنازة إيليوشا، يلقي أليوشا خطبته الوداعية الشهيرة للأطفال، التي يرى فيها تحليلي وصية دوستويفسكي للأجيال القادمة، إذ يحثهم على تذكر اللحظات الجميلة
والمحبة التي عاشوها مع إيليوشا، مؤكدًا أن هذه الذكريات هي أقوى سلاح ضد الشر واليأس، وأن الإيمان هو سلسلة من الذكريات الطيبة التي تربط الناس وتعدهم بالخلود في وحدة روحية، حيث يقول لهم: «اعلموا أننا لا نعيش عبثًا، وسوف نظل نحب بعضنا البعض رغم كل شيء».
يقدم دوستويفسكي رؤية متفائلة للحياة، حيث إن الإرادة الحرة تقود إلى الحب الفعّال (أليوشا)، الذي يستبدل العدمية المدمرة (سميردياكوف وإيفان) بوحدة إنسانية مليئة بالأمل، ويختتمها بوعد أليوشا للأطفال بالبقاء معهم إلى الأبد، ليثبت أن الإيمان الحقيقي يكمن في قوة الحب في الحياة المعاصرة وليس في التساؤلات اللاهوتية المجردة.