غالية بنت محمد عقاب المطيري
تأخذني الحماسة فأكتب سطرًا، ثم أعيد صياغته، أو أتوقف؛ وما ذلك لجهلي بجميل الإبداع ونظم البيان، ولكني لم أجد من الكلمات ما يصف أو يبدع في التبيان لما يحدث في هذه الأيام من وصف أبطال المرحلة وبطولاتهم.
حتى كنتُ ذات ليلةٍ مستغرقًا في نومٍ عميق، وإذا بي أستيقظ على صوتٍ قويّ هزَّ مكامن الدعة والراحة في داخلي، ففزعتُ ونهضتُ من نومي، وارتديتُ رِدَائِي، ومضيتُ إلى خارج المنزل أنظر إلى السماء وأسترق السمع، فإذا بي أجد الهدوء والسكينة يحيطان بالحي بأكمله.
استعذتُ بالله من الشيطان ومن سوء الأحلام، وعدتُ أدراجي إلى غرفتي، وفي الصباح علمتُ أن ذلك الصوت المفزع لم يكن من نسج الأحلام وأطيافها، بل لقد اعترض أبطال قواتنا الجوية طائرةً مسيّرةً فأفقدوها قدرتها على التدمير.
هنا علمتُ أنني سأكتب كلماتٍ ليست كأي كلمات، وأن ما أكتبه ليس دافعه الحماسة أو الفخر بهذا الوطن وقيادته وأبطاله فحسب -وإن كان الفخر والاعتزاز طرفًا مما سأكتب- ولكن الهدف الأساسي هو التوثيق لأجيالٍ قادمة؛ لتقرأ عن بطولةٍ لم تكن بهدف البروز والإظهار، بل كان جوهرها الشجاعة الخالصة.
لقد قادني اعتراض المسيّرة للبحث عن كيفية ذلك، فذهلتُ من تلك الدقة العالية، وذلك الجهد العظيم، والتعب الشديد الذي يتكبدُه أبطال قواتنا المسلحة في جميع القطاعات: الجوية، والبرية، والبحرية، والاستخبارات، والأمن العام بجميع أقسامه.
ولنأخذ مثالًا حيًا في هذه الأيام على بطولة خارقة لأبطال قواتنا الجوية؛ فالمسيّرة تُعد من الأخطار الناشئة، أي أنها خطرٌ لا بد من إبطاله بذكاء ودقة، ولا توجد خطة أو أمثلة سابقة يستطيع الطيار أن يتعامل معها وفق آلية محددة، بل يجب عليه التعامل بشكل فوري ودقيق، مع حساب الأضرار في جزءٍ قد لا يتجاوز الثانية. ومما يزيد خطورة المسيّرات أنها تكون على ارتفاع منخفض، مما يعني أن أي خطأ قد يؤدي إلى كارثة كبيرة.
لذلك فإن بطولة هؤلاء الأبطال تكمن في التحديات التي تواجههم: سرعة المسيّرة، وخطر انفجارها على ارتفاعات منخفضة. فالطيار يواجهها من خلال دوريات تكون على مدار 24 ساعة؛ ولكم أن تتخيلوا صعوبة العمل والمشقة على قطاع يعمل دون كلل، ودون حتى تفكير بالراحة ولو لدقيقة واحدة. وبعد أن يعثر ذلك الطيار في إحدى طلعاته على الهدف، يبدأ التحدي الأخطر الذي يبرز قوته وشجاعته؛ إذ عليه أن يناورها ويوقف تقدمها حتى لا تصل إلى أماكن مهمة أو تعج بالحياة، وما هي إلا أقل من ثانية حتى تجتمع الطائرات الأخرى، ويشكل الفريق المبهر حلقة الاعتراض، وفي أقل من جزء من الثانية يتم تحييد تلك المسيّرة وإبطال مفعولها.
وهل تظن أن الأمر انتهى عند هذا الحد؟ لا، بل على الطيار ألا يتنفس الصعداء؛ لأنه لا بد أن يتصدى لهدفٍ آخر يوشك أن يقترب، وهكذا.. فهل لعقلك أن يتخيل كل هذا الكم الهائل من العمليات المعقدة والدقيقة التي لا يمكن أن ينفذها إلا أبطالٌ خارقون؟ بل إن هناك ما يميزهم عن كل بطل خارق، وهو إيمانهم بالله الواحد الأحد، ثم حبٌّ قدسيٌّ نما وترعرع في سويداء قلوبهم لهذا الوطن الأبي الشامخ، ولهذه القيادة الفريدة؛ وما تفردها هذا إلا للحكمة التي تتحلى بها، وتلك الشجاعة التي تمتلكها، لأنه خلف هذه البطولات الميدانية، تقف قيادة تدير المشهد بحكمة.
لقد عشتُ في هذه الأيام المعنى الحقيقي لفن السياسة الذي كنت أسمع عنه؛ معنى أن يكون هناك قائد يفكر بك قبل أن يُصدر أي قرار، يحاور ويطرق كل باب حتى لا تتوقف حياتك، ولا يسكن الخوف قلبك، ولا يقلق نومك. هناك عيون ترصد وتراقب الأحداث، ثم تُعطي الأمر لتحميك دون أن تدفع أي ثمن، أو يُقضَّ مضجعك. قائدٌ يتحلى بالقوة والقدرة والحب لك، لذلك كان حبنا له كشعب يفيض على ألسنة الجميع.
وليقرأ جيلنا القادم أنه حين أرادت قوى عدوة أن تجعل من بلادنا ساحة حرب، كان يحكمنا رجل شجاع، وبطل من أبطال التاريخ العظماء، هو سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، فداه الروح قبل الجسد، حفظه الله ورعاه. تصدّى لهم جميعًا، ووقفوا أمامه وقفةَ المهزوم أمام البطل المنتصر.