سالم بن محمد العيدي
في عالم السياسة، لا تُقاس الدول بما تقوله، بل بما تفعله.
والتاريخ - خصوصًا في منطقتنا - لا يُكتب بالتصريحات، بل يُختصر في الوقائع التي لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها.
من هنا، فإن أي حديث عن «حسن الجوار» مع إيران يجب أن يُقرأ بعينٍ واقعية، لا بعاطفةٍ سياسية، ولا برغبةٍ مؤقتة في التهدئة.
فالحوار، في جوهره، ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الاستقرار.
وإن لم يُفضِ إلى ذلك، فإنه يتحول إلى مجرد غطاء دبلوماسي لتدوير الأزمات لا حلّها.
الحوار... ضرورة، لكن ليس بأي ثمن
لا يمكن لعاقل أن يرفض الحوار كخيار سياسي.
بل إن الحوار في بيئة إقليمية معقدة كالشرق الأوسط يُعد خيارًا استراتيجيًا، ووسيلة لتجنب الانزلاق نحو صراعات مفتوحة لا تُبقي ولا تذر.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل نحن أمام حوار يُنتج استقرارًا.. أم حوار يُدار لشراء الوقت؟
الفرق بين الاثنين ليس تفصيلًا، بل هو الفاصل بين بناء مستقبل آمن، أو إعادة تدوير نفس الأزمات بصياغات مختلفة.
سجل طويل لا يمكن تجاهله
حين نتحدث عن العلاقات مع إيران، فإننا لا نبدأ من فراغ، بل من سجل ممتد من التوترات، والتدخلات، والرسائل المتناقضة.
* تصريحات تدعو للتقارب.
* مقابل ممارسات تُبقي التوتر قائمًا.
* رسائل تهدئة إعلامية.
* يقابلها نشاط ميداني يثير القلق.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى:
كيف يمكن الوثوق بخطاب سياسي لا ينعكس على أرض الواقع؟
المشكلة ليست في إعلان النوايا، بل في غياب الترجمة الفعلية لها.
حسن الجوار.. مفهوم لا يقبل التجزئة
حسن الجوار ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل منظومة متكاملة تقوم على:
* احترام سيادة الدول.
* عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
* الامتناع عن دعم أي كيانات تهدد استقرارها.
* بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة لا النفوذ.
ولا يمكن القبول بفكرة «انتقائية» حسن الجوار، بحيث يُطبّق في جانب ويُخرق في جانب آخر.
فالسياسة لا تُدار بمنطق التجزئة، بل بمنطق الاتساق.
الثقة.. العملة النادرة في المنطقة
المنطقة اليوم لا تعاني من غياب المبادرات، بل من أزمة ثقة حقيقية.
وهذه الثقة لا تُبنى بتصريح، ولا تُمنح بخطاب، بل تُكتسب عبر تراكم الأفعال.
لقد شهدت المنطقة العديد من المبادرات التي بدأت بوعود كبيرة، لكنها انتهت بنتائج محدودة، لأن الفجوة بين القول والفعل بقيت قائمة.
ومن هنا، فإن أي حديث عن مرحلة جديدة يجب أن يبدأ من سؤال جوهري:
ما الذي تغيّر فعليًا؟
المملكة.. نموذج في ضبط التوازن
على الجانب الآخر، أثبتت المملكة العربية السعودية - ومعها دول الخليج - قدرتها على إدارة التوازن بين الحزم والانفتاح.
فهي:
* لا ترفض الحوار.
* ولا تندفع نحو التصعيد.
* لكنها في الوقت ذاته، لا تقبل المساس بأمنها أو أمن محيطها.
وهذا التوازن هو ما منحها ثقلًا سياسيًا حقيقيًا، وجعلها طرفًا رئيسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.
الكرة في ملعب طهران
إذا كانت إيران جادة في فتح صفحة جديدة، فإن الطريق واضح، ولا يحتاج إلى اجتهادات معقدة.
البداية تكون من الداخل، قبل الخارج:
* مراجعة السياسات الإقليمية.
* إعادة تعريف أدوات النفوذ.
* الانتقال من منطق التوسع إلى منطق الشراكة.
* استبدال “إدارة الأزمات” بـ “صناعة الاستقرار”.
هذه ليست شروطًا سياسية بقدر ما هي متطلبات طبيعية لأي دولة تسعى لعلاقات متوازنة.
بين الخطاب والواقع.. فجوة يجب ردمها
المشكلة الأساسية التي تواجه أي تقارب محتمل ليست في غياب القنوات، بل في غياب الثقة بجدية الطرف الآخر.
فكلما طُرحت مبادرة، عاد الواقع ليطرح سؤالًا أكبر:
هل نحن أمام تحول حقيقي.. أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟
وهنا، لا يكفي أن تُقال الكلمات، بل يجب أن تُترجم إلى سياسات واضحة، قابلة للقياس، ومستمرة، لا مؤقتة.
المنطقة لم تعد تحتمل التجارب
بعد سنوات من التوترات، والصراعات، والتقلبات، لم تعد المنطقة قادرة على تحمل المزيد من «التجارب السياسية».
الشعوب تريد استقرارًا حقيقيًا، لا مؤقتًا.
تريد وضوحًا في المواقف، لا ازدواجية في الخطاب.
تريد أفعالًا تُبنى عليها الثقة، لا وعودًا تُستهلك إعلاميًا.
الخلاصة:
نعم... للحوار مع إيران، ولكن:
* ليس حوار المجاملات.
* ولا حوار كسب الوقت.
* ولا حوار التصريحات الإعلامية.
بل حوار يقوم على:
* وضوح النوايا.
* صدق الأفعال.
* واحترام متبادل لا يقبل التأويل.
فالسلام ليس شعارًا يُرفع، بل التزام يُثبت.
والثقة ليست هدية تُمنح، بل نتيجة تُبنى.