د.عبدالرحيم محمود جاموس
ليست الشهادةُ نهايةَ المعرفة، بل قد تكون في كثير من الأحيان بدايةَ الوهم.
فكم من إنسانٍ ظنّ أن ورقةً مختومةً قد منحته حقّ الاكتفاء، وأنه بلغ بها مقامًا لا يحتاج بعده إلى قراءةٍ أو سؤال.
وهنا تبدأ المفارقة: حين يتحوّل التعليم من رحلةٍ مفتوحة إلى محطةٍ مغلقة، ومن شغفٍ حيّ إلى لقبٍ جامد.
في واقعنا اليومي، تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح، في المجالس العامة، وعلى المنابر الإعلامية، وحتى في فضاءات التواصل، يبرز نموذج “المتحدّث في كلّ شيء”: يُفتي في الفكر، ويحلّل في السياسة، ويُقوّم التاريخ، دون امتلاك أدوات حقيقية لأيّ من ذلك. يكتفي بما حصّله يومًا، ثم يعيد إنتاجه بثقةٍ عالية، كأن المعرفة قد استقرّت فيه نهائيًا.
وهنا لا يكون الخطر في الجهل ذاته، بل في الجهل الذي يظنّ نفسه معرفة.
وقد نبّه مفكّرون كُثر إلى هذه الإشكالية...
فقد رأى ابن خلدون أن من آفات التعلّم الاكتفاءُ بالمحفوظات دون فهمٍ عميق، حيث تتحوّل المعرفة إلى قوالب جامدة لا تُنتج فكرًا.
وفي سياقٍ آخر، أشار سقراط إلى جوهر الحكمة بقوله إن إدراك الإنسان لجهله هو بداية المعرفة، وهي فكرة تُقوّض وهم الاكتمال الذي يقع فيه كثيرون.
أما ميشيل فوكو فقد لفت إلى أن المعرفة ليست تراكُمًا محايدًا، بل هي بنيةٌ تتشكّل عبر الممارسة والنقد، ولا تستقيم دون مساءلةٍ دائمة.
المعرفة، في جوهرها، ليست كمًّا يُحفظ، ولا وثيقةً تُعلَّق، بل حالةٌ دائمة من القلق الفكري، والسعي، وإعادة النظر.
هي فعلُ بحثٍ مستمر، لا يعترف بالنهايات، ولا يمنح صاحبه يقينًا نهائيًا.
لذلك، فإن أول ما يفقده من يظنّ أنه “قد وصل”، هو القدرة على التساؤل، ثم القدرة على التعلّم ذاته.
تتجلّى الأزمة أيضًا في طريقة تلقّي النصوص...
فبدل أن تكون القراءة أفقًا للتوسّع، تصبح عبئًا ثقيلاً. يُنظر إلى الكتاب بوصفه اختبارًا، لا فرصةً للاكتشاف. وتتحوّل القصيدة إلى غموضٍ مُربك، لا إلى تجربةٍ جمالية ومعرفية.
وهنا ينشأ نفورٌ خفيّ من كلّ ما قد يُحرّك المياه الراكدة، لأن الحركة تعني إعادة النظر، وإعادة النظر تعني زعزعة وهم الاستقرار.
وما يزيد الأمر تعقيدًا، أن هذا النمط لا يكتفي بالجمود، بل يُغلّف نفسه بثقةٍ عالية، تُخفي هشاشته. فتراه يملأ الفراغ كلامًا، ويستبدل العمق بالاستعراض، والإصغاء بالهيمنة.
إنها حالة يمكن وصفها بـ“التضخّم المعرفي الوهمي”، حيث يتضخّم الصوت، بينما يتآكل المعنى.
إنّ الفجوة الحقيقية ليست بين المتعلّم وغير المتعلّم، بل بين من يرى المعرفة مسارًا مفتوحًا، ومن يراها إنجازًا مكتملًا.
فالأول يظلّ في حالة بحثٍ دائم، مدفوعًا بإدراكه أن كلّ ما يعرفه يكشف له مساحةً أوسع مما يجهله؛ بينما الثاني يغلق الدائرة على نفسه، ويستقرّ في منطقةٍ مريحة، لكنها عقيمة.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة تعريف علاقتنا بالمعرفة: لا بوصفها إنجازًا، بل بوصفها مسارًا حيًّا. فالتعليم الحقيقي لا ينتهي بالحصول على مؤهّل، بل يبدأ به؛ والقراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطٌ للاستمرار؛ والثقافة ليست زينةً اجتماعية، بل بنيةٌ داخلية تتشكّل بالتراكم، والممارسة، والنقد.
إنّ النور لا يُمنح، ولا يُختصر، ولا يُعلَّق على الجدران. النورُ رحلة: رحلةٌ تتطلّب تواضعًا معرفيًا، وشجاعةً في الشكّ، واستعدادًا دائمًا للتعلّم.
ومن يتوقّف عن السير فيها، لا يحافظ على ما وصل إليه، بل يبدأ دون أن يشعر في فقدانه.
لهذا، لا تكون الكتابة مجرّد محاولةٍ لإقناع من أغلق نوافذه، بقدر ما هي دعوةٌ مفتوحة لمن لا يزال مستعدًا لأن يرى، وأن يُعيد النظر، وأن يسير. فالمستقبل لا يصنعه من يكتفون بما لديهم، بل من يدركون أن الطريق مهما طال لا يزال في بدايته.