صالح الشادي
لطالما شكلت المكانة الجيوسياسية للمملكة العربية السعودية محور استقرار في منطقة الشرق الأوسط، غير أن التاريخ الحديث، بحروبه وأزماته، لم يثبت فقط قرب هذا الدور من دول الجوار، بل جعل منه عمقاً إستراتيجياً للعالمين العربي والإسلامي وللمجتمع الدولي بأكمله. فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين، كانت منطقة الخليج مسرحاً لأحداث كبرى كشفت عن معادن الدول ومدى مسؤوليتها، وكانت السعودية في قلب هذه الأحداث ليس بوصفها طرفاً متضرراً فحسب، بل بوصفها ركيزة الأمن والمعادلة الأصعب في إعادة التوازن.
تجلى هذا البعد بوضوح في حرب الخليج الأولى، حيث برزت المخاوف من عدم استقرار المنطقة، فلم تكن السعودية مجرد متفرج، بل قامت بدور محوري في دعم الجهد الجماعي، حماية للبوابة الشرقية للعالم العربي، وإدراكاً منها بأن زعزعة استقرار أي دولة في الخليج هي زعزعة لاستقرارها هي نفسها. هذا الإدراك المبكر لمفهوم «الأمن الجماعي» هو ما قاد لاحقاً إلى تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليكون إطاراً مؤسساتياً لمواجهة التحديات المشتركة.
غير أن الاختبار الأقسى كان مع حرب الخليج الثانية إثر الغزو العراقي للكويت، حيث تحولت السعودية إلى محور الانطلاق لتحرير دولة عربية شقيقة، واحتضنت الحكومة الكويتية وشعبها، واستقبلت مئات الآلاف من النازحين من جنسيات مختلفة، وأدارت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية واللوجستية في المنطقة. تبع ذلك أزمة انقطاع الطاقة وتذبذب إمدادات النفط، حيث لعبت السعودية دور «بنك الطاقة» المركزي في العالم، فعملت على استقرار الأسواق العالمية وتعويض النقص لضمان عدم انهيار الاقتصاد العالمي. هذا الدور أثبت للعالم أجمع أن أمن الخليج هو خط أحمر، وأن السعودية وحدها تمتلك الثقل السياسي والقدرة اللوجستية والرؤية الإستراتيجية لتدير مثل هذه الأوركسترا العالمية.
ولم تقتصر المساندة السعودية على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتدت لتشمل الخدمات الإنسانية التي تقدم بلا مقابل، تأكيداً على أن هذه السياسة هي «سجية» وطبيعة أصيلة في نهج هذا البلد. ففي الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية كالزلازل والفيضانات التي تضرب الدول الشقيقة والصديقة، تظل المملكة في المقدمة عبر ذراعها الإنساني «مركز الملك سلمان للإغاثة»، متجاوزةً كل الحسابات السياسية، كما حدث في أكثر من كارثة إقليمية ودولية.
ويظهر البعد الأمني أيضاً في تعامل المملكة مع الأزمات المستجدة في الإقليم، فالسعودية لا تنظر إلى دول الجوار ككيانات منفصلة، بل كعمق إستراتيجي وأمن قومي لا يمكن المساس به. وهي تقف كضامن رئيس لأي مسار سياسي أو إدماج إقليمي، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريخ، بل بحكم الخبرة والثقل الدولي الذي يمكنها من تحويل الرؤى إلى مشاريع حياة على أرض الواقع. وهي وإن كانت تمتلك القدرة على حماية حدودها والدفاع عن أراضيها، كما أثبتت ذلك مؤخراً بالتصدي للهجمات الإرهابية، إلا أنها تدرك أن الاستقرار الحقيقي يُبنى بتنمية الإقليم لا فقط بتأمين الحدود.
إن المكانة العالمية التي تحتلها المملكة اليوم، والتي يعترف بها القاصي والداني، هي ثمرة تراكم لهذا الدور التاريخي. فالسعودية هي القلب الجغرافي والسياسي للعالمين العربي والإسلامي، فيها الحرمان الشريفان وإليها تتجه قلوب المسلمين جميعاً. وهي بهذه المكانة لا تبتغي من مساعداتها مناً أو مصلحة عابرة، بل تتصرف وفق إيمان راسخ بأن استقرار المنطقة هو استقرار لها، وأن رخاء الشعوب العربية والإسلامية هو جزء من رخائها. وما الاعترافات الدولية المتكررة بالدور السعودي، سواء في استضافة القمم أو حل النزاعات أو دعم المنكوبين، إلا دليل على أن هذه السياسة الحكيمة هي نهج ثابت لا يتغير بتغير الظروف، وستبقى السعودية كما كانت دوماً: العمق الإستراتيجي الآمن والعنوان الأبرز للعمل العربي والإسلامي المشترك.