فاطمة آل مبارك
في كل موسم دراسي يتجدد الجدل ذاته: نسب الغياب ترتفع، والعقوبات تتصاعد، والحديث عن ضعف الانضباط يعود إلى الواجهة. وكأن أزمة التعليم تختزل في عدد المقاعد المشغولة داخل الفصل. غير أن السؤال الأعمق يظل حاضرًا: هل يُقاس نجاح المدرسة بالحضور الشكلي، أم بفاعلية التعلم وجودته؟
تتعامل كثير من النقاشات التربوية مع الغياب بوصفه خللًا سلوكيًا لدى الطالب، بينما قد يكون في جوهره مؤشرًا على فجوة بين إيقاع النظام التعليمي وتحولات الواقع. ففي وقت تتجه فيه الأنظمة التعليمية الحديثة نحو المرونة والتعلم الذاتي، لا تزال بعض الممارسات الإدارية مشدودة إلى فكرة الانضباط بوصفه التزامًا زمنيًا صارمًا. وكلما ارتفعت نسب الغياب، عاد الحل الأسهل إلى الواجهة: مزيد من التشدد. لكن المشكلة أن الأدوات القديمة لا تعالج دائمًا أسئلة الزمن الجديد.
نحن نعيش عصرًا يحمل فيه الطالب مكتبة كاملة في هاتفه، ولم تعد المدرسة المصدر الأوحد للمعرفة. وحين لا تقدم تجربة تعليمية تتجاوز ما يتيحه المحتوى الرقمي من معلومات، تتحول تدريجيًا إلى مساحة إلزامية لا يشعر الطالب بقيمتها، فيبحث عن مبررات للغياب بدل البحث عن أسباب للحضور. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ما جدوى حضور يومي طويل إذا كان يعيد تقديم ما يمكن تلقيه بكفاءة أعلى خارج جدران المدرسة؟
الحل لا يكمن في منافسة التقنية، بل في إعادة توزيع وظائف التعليم. فالمواد النظرية القابلة للتعلم الذاتي يمكن أن تنتقل إلى المنصات الرقمية، بينما تتحول المدرسة إلى مساحة للتجربة والحوار والتفاعل الإنساني، ومختبر حي لاكتساب مهارات لا تمنحها الشاشة: العمل الجماعي، والتواصل، وبناء الشخصية. عندها يصبح الحضور قيمة مضافة، ويغدو الغياب خسارة يشعر بها الطالب قبل أن تسجلها الإدارة.
غير أن جدلية الانضباط لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل تمتد إلى فهم الإيقاع الاجتماعي والثقافي للمجتمع. ويبرز شهر رمضان نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية؛ فهو زمن يتغير فيه نمط الحياة اليومية، وتختلف فيه مستويات الطاقة والتركيز، وتتبدل فيه أولويات الأسر بين العبادة والعمل والالتزامات الاجتماعية. في مثل هذا السياق، لا يؤدي الإصرار على نمط حضور جامد إلى تعزيز الانضباط، بل قد يولّد مقاومة صامتة لدى الطلاب والأسر، لأن المشكلة هنا ليست ضعف الالتزام، بل ضعف المواءمة.
حين لا يُعاد تنظيم اليوم الدراسي بما يتناسب مع خصوصية هذا الشهر، تتراجع فاعلية الساعات الطويلة، ويتحول الحضور إلى عبء جسدي وذهني. أما إدخال بدائل مرنة مثل تقليص الساعات، أو توظيف التعليم عن بُعد جزئيًا، أو إعادة توزيع الجداول فلا يعني التهاون، بل يعكس فهمًا واقعيًا لطبيعة الإنسان وظروفه. فالانضباط الحقيقي لا يقوم على تجاهل السياق، بل على إدارته بذكاء.
ومن الإنصاف القول إن أدوات المرونة ليست غائبة عن المشهد التعليمي فالتعليم عن بُعد، وتنظيم الجداول، ومنح مساحات محددة للخيارات المرنة، كلها سياسات مطبقة بدرجات متفاوتة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الأداة، بل في فلسفة استخدامها. حين تُفعل المرونة كاستثناء مؤقت يظل أثرها محدودًا، أما حين تُبنى باعتبارها جزءًا من مفهوم الانضباط الحديث، فإنها تتحول إلى خيار استراتيجي يعزز جودة التعلم واستقراره.
إن الإفراط في القرارات الصارمة ضد الغياب قد يحقق انضباطًا شكليًا، لكنه قد يضعف الدافعية الحقيقية للتعلم. فالطالب الذي يحضر خوفًا من العقوبة لا يتعلم بقدر ما يقضي الوقت، ويتحول المعلم تدريجيًا من مصدر إلهام إلى مراقب للحضور. ومن منظور قيمي، فإن التشدد في الإجراءات دون مراعاة أحوال الناس يتعارض مع روح التيسير التي راعت ظروف الإنسان حتى في العبادات، وهي أصل الدين فمن باب أولى أن تُراعى هذه الأحوال في وسائل التعليم التي وُجدت لخدمة الإنسان لا لإرهاقه.
ويشير مفكرون تربويون، مثل دانيال غولمان، إلى أن الصرامة الحقيقية ينبغي أن تكون في المعايير لا في الإجراءات أي أن جودة التعلم ومخرجاته تبقى ثابتة، بينما تتسع الطرق المؤدية إليها. ومن هذا المنطلق، فإن الحلول الذكية لا تقوم على التشدد، بل على المرونة المنظمة التي تجعل المدرسة شريكًا في تنظيم حياة الأسرة، لا عبئًا إضافيًا عليها، خصوصًا في مواسم ذات خصوصية اجتماعية وروحية كرمضان.
صفوة القول أن الإصرار على الصرامة المطلقة في زمن التحولات الرقمية والاجتماعية معًا معركة خاسرة. فالوسطية ليست تراجعًا، بل تطور ضروري يعيد تعريف الانضباط بوصفه التزامًا واعيًا لا استجابة قسرية. القوة الحقيقية للنظام التعليمي لا تكمن في قدرته على الحجز، بل في قدرته على الجذب. لنصنع مدرسة يخشى الطالب غيابها، لا مدرسة يخشى الطالب نظامها.. ويبقى السؤال الأهم: لماذا يجد أبناؤنا ذواتهم في الشاشات، ويفقدونها في الفصول؟