د.محمد بن عبدالرحمن البشر
تمر المنطقة بوضع حساس لم تشهده من قبل، وهو وضع لم يكن لها به علاقة من بعيد او قريب، سوى محاولة منع إضرام النار قبل اشتعالها، فبعد أن بدأ الحديث عن الحرب، سارعت المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج لاستخدام كل ما تملكه من إمكانات ونفوذ سياسي وثقافي واقتصادي لدرء الخطر، ومنع إيقاد شرارة الحرب، وكأنهم استحضروا قول المهلب بن أبي صفرة عندما سمع الحديث المتزايد عن الحرب، وآفاق التحرك ضد الأمويين، حيث قال:
أرى خللَ الرمادِ وميضَ جَمْرٍ
ويوشكُ أن يكونَ له ضرامُ
فإنّ النارَ بالعودين تُذْكى
وإنّ الحربَ أولها كلامُ
نعم، الحرب أولها الكلام، فحديث اللسان ينبئ عما في الجنان، والعاقل يدرك مغزى الكلام، ونبرة الخصام، وحدث ما حدث، وفاجأت الولايات المتحدة وإسرائيل العالم بضرب إيران، ثم أخرجت ما يحلو لها من مبررات.
ثم حدث أمر لم يكن متوقعًا عند الكثير، فقد أقدمت إيران ظلمًا وعدوانًا على ضرب دول الخليج الآمنة التي استخدمت كل إمكانياتها لمنع حدوث ما حدث، وأمعنت في عدوانها واستمرت وطالت كل المرافق العسكرية، والمدنية، والاقتصادية، ومصادر الطاقة، بلا خجل، وأخرجت من جعبتها مبررات غير مقبولة، وغير منطقية، وغير متوافقة مع القانون الدولي، والقيم الإسلامية والأخلاقية، وحسن الجوار، والوفاء بالعهود، وأقحمت المملكة العربية السعودية، ودول الخليج، في أمر ليس لها به علاقة، غير محاولة منع حدوث ما حدث، فهو نوع من نكران الجميل، ومجازاة الإحسان بالعدوان.
وقد تحلت المملكة ودول الخليج بالحكمة، ولم تنسق للدخول في متاهة الحرب، مع احتفاظها بحقها في دفاعها المشروع عن أرضها وسيادتها، مع العلم أن المملكة العربية السعودية لديها القدرة الكاملة للرد المؤلم لإيران، وإيران تعرف ذلك، لكن الحكمة ضالة المؤمن، وهو ما تحلت بها المملكة ودول الخليج، وما تجاهلته إيران، مع معرفتها لعواقب فعلها، وقد أثبتت المملكة ولله الحمد قدرتها الدفاعية، حيث أسقطت جميع مسيرات وصواريخ العدوان، وما نتج من أضرار بسيطة ونادرة كانت بسبب تساقط بعض الشظايا، وعاش الشعب السعودي ولله الحمد آمنا متكاتفًا مطمئنًا، وصام شهره وسعد بعيده شاكرًا لربه وداعيًا لقيادته بالتوفيق، كما أن المملكة ولله الحمد استمرت في بيع نفطها من ميناء ينبع، وفتح حدودها وموانئها لإخوانها في الخليج لتوفير كل ما يلزم، كما استضافت العالقين من المسافرين من أبناء الخليج، وقاطنيها.
لقد أدانت دول العالم إقدام إيران على مهاجمة جيرانها، وأظهرت تضامنها مع المملكة وصدرت التصريحات والقرارات الأممية المنددة بالعدوان، وبقيت إيران وحيدة في فعلتها المشينة ضد جيرانها، ولابد لهذه الحرب من تبعات ستتجلى بعد نهاية الحرب ومعرفة نتائجها، وقد تصدر بعض القرارات الأممية بهذا الشأن، لاسيما فيما يخص ضمان سلامة الملاحة الدولية، وضمان مرور جميع السفن عبر مضيق هرمز.
النظام الدولي الذي صنعته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والذي يضمن سيادة الدول، أصبح مع كل أسف غير مطبق في نماذج عالمية حدثت، ومن ضمن ذلك اعتداء إيران على جيرانها، ولا يبدو في الأفق أن هناك تغييرا في النهج العالمي للالتزام بالقانون الدولي، في الوقت الذي أظهرت فيه كثير من الوقائع أنه لم يعد مطبقا بالشكل الذي حدد له أن يكون، وتلجأ بعض الدول أيضاً إلى خلق المبررات والذرائع ووضعها أمام الملأ مع مخالفتها للقانون الدولي، مثل ما حدث في العراق، وفي إيران، ومن إيران، وغيرها، إذا ما استمر الوضع العالمي كما هو الآن، مع التقدم التقني الهائل الذي سوف يمكن دول كثيرة لا محالة إلى امتلاك قدرات عسكرية فاعلة وربما مدمرة، فإن العالم في حقيقة الأمر معرض للخطر.