د.هناء بنت راشد الشبلي
يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد تقتصر على المجالات التقنية فحسب، بل امتد تأثيرها ليعيد تشكيل مفهوم الإبداع الإنساني ذاته.
وفي ظل هذا الواقع المتسارع، يأتي إعلان معالي وزير الثقافة سمو الأمير بدر بن فرحان آل سعود عن إطلاق جامعة الرياض للفنون بوصفه قرارًا استراتيجيًا يعكس استشرافًا واعيًا للمستقبل، ويتناغم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمين محمد بن سلمان حفظه الله برعاية ودعم من خادم الحرمين الشريفين أيده الله، هذه الرؤية وضعت الثقافة والابتكار ضمن أولويات التحول الوطني نحو اقتصاد معرفي متنوع ومستدام.
لقد أولت الحكومة الرشيدة اهتمامًا كبيرًا بتنمية القطاع الثقافي بوصفه أحد محركات التنمية انطلاقًا من إيمانها بأن بناء الإنسان وتعزيز قدراته الإبداعية يمثلان أساس التقدم الحضاري. ويأتي دعم الفنون والاقتصاد الإبداعي ضمن منظومة متكاملة تسعى إلى تمكين المواهب الوطنية، وخلق فرص نوعية، وتعزيز حضور المملكة في المشهد الثقافي العالمي، بما يتوافق مع مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية وبرنامج جودة الحياة، اللذين يؤكدان أهمية الاستثمار في التعليم النوعي والابتكار الثقافي.
إن إطلاق جامعة متخصصة في الفنون في هذا التوقيت تحديدًا يحمل دلالات عميقة، إذ يأتي في مرحلة يشهد فيها العالم ما يمكن وصفه بمرحلة “التحول الإبداعي الكبير”، حيث أصبحت الخوارزميات قادرة على إنتاج الصور والأفلام والتصاميم، وأصبح الفنان مطالبًا بفهم التقنيات الحديثة والتفاعل معها بدلًا من الاكتفاء بالأدوات التقليدية. فمجالات مثل Generative Art التي تعتمد على تقنيات Machine Learning أصبحت تمثل اتجاهًا عالميًا يعيد تعريف العلاقة بين الفنان والتقنية، ويمنح المبدع إمكانات غير مسبوقة للتجريب والتطوير.
وهنا لا يمكن فصل هذا التحول عن التجارب الفردية التي مهدت لهذا الوعي مبكرًا في المشهد الفني المحلي؛ فقد كنتُ من أوائل من خاض تجربة الفن الرقمي في وقت لم يكن مألوفًا، إذ عرضت في عام 2007م أول لوحة رقمية ضمن معرض تشكيلي، غير أنها استُبعدت لكونها قدّمت طرحا مختلفا عما اعتاد الوسط الفني من لوحات زيتية تقليدية.
ومع ذلك، استمر الإيمان بأهمية هذا المسار، فواصلت العمل على نشر ثقافة الفن الرقمي، رغم أن العالم الغربي كان قد سبقنا إليه بعقود. وتمكنّا من تحقيق جزء من الحلم في عام 2009م حين أقمنا أول معرض جماعي للفن الرقمي على مستوى العالم العربي من خلال «مجموعة الفن الرقمي» التي كنت من مؤسسيها، وتحت رعاية وزارة الثقافة والإعلام آنذاك. وفيما بعد، تخصصت في دراسة الدكتوراه في الفنون الرقمية إيمانًا مني بأهمية هذا المجال ودوره في إثراء المشهد الفني السعودي، ومنذ ذلك الوقت ظل حلمي قائماً بأن أرى فناناً رقميا سعوديا ينافس في المحافل العالمية، إيماناً بقدرات وموهبة شباب الوطن وطاقاتهم الإبداعية، وحاجتهم للدعم والتشجيع وفتح آفاق الفرص أمامهم. واليوم، مع تأسيس جامعة الرياض للفنون، تزداد آمالنا بأن تصبح المملكة حاضنة للمواهب الرقمية، وأن ينطلق جيل جديد من الفنانين السعوديين ليحققوا الريادة ويتركوا بصمتهم في العالم الرقمي، مستفيدين من المنظومة التعليمية والبحثية المتطورة التي تواكب التغيرات التقنية وتدفعهم نحو الابتكار والإبداع.
ومن هنا تتضح أهمية أن تُبنى جامعة الرياض للفنون على أسس حديثة تواكب التحولات العالمية، بحيث لا تقتصر على تدريس الفنون بصيغتها التقليدية، بل تقدم منظومة تعليمية متكاملة تجمع بين الفن والتقنية والبحث العلمي وريادة الأعمال. ويتطلب ذلك توفير تخصصات نوعية تشمل الفنون الرقمية، والذكاء الاصطناعي الإبداعي، وتصميم الألعاب، والرسوم المتحركة، والتجارب التفاعلية، وهي مجالات تشهد نموا عالميا متسارعا وتفتح آفاقًا واسعة أمام الكفاءات الوطنية للمنافسة دوليا.
كما أن تحقيق مخرجات قادرة على المنافسة عالميا يستدعي توفير بنية تحتية متقدمة تشمل مختبرات للواقع الافتراضي والمعزز، واستوديوهات للرسوم المتحركة، وبيئات إنتاج رقمية تعتمد على أدوات احترافية تشكل معيارا عالميا في الصناعات الإبداعية مثل Unreal Engine وUnity، إلى جانب دعم البحث العلمي في مجالات الفن والتقنية، وتشجيع المشاريع الابتكارية التي تربط المعرفة الأكاديمية بالتطبيق العملي.
إن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن في وجود التقنية ذاتها، بل في القدرة على توظيفها بما يعزز الهوية الثقافية ويثري التجربة الإنسانية.
ولذلك فإننا مستبشرون بانطلاق جامعة الرياض للفنون التي ستمثل منصة استراتيجية لإنتاج معرفة إبداعية تنطلق من الثقافة السعودية وتخاطب العالم بلغة معاصرة، مما يسهم في تعزيز القوة الناعمة للمملكة وترسيخ حضورها في الصناعات الثقافية العالمية.
ويؤكد هذا التوجه حرص الحكومة الرشيدة على تحقيق مستهدفات الرؤية من خلال الاستثمار في القطاعات الواعدة، ودعم المبادرات التي تعزز الابتكار، وتوفر بيئة تعليمية قادرة على إعداد جيل يمتلك مهارات المستقبل، ويواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي.
إن إطلاق جامعة الرياض للفنون في هذا التوقيت ليس مجرد إضافة أكاديمية، بل خطوة استراتيجية تواكب روح العصر، وتستجيب لمتطلبات المستقبل، وتؤكد أن المملكة تمضي بثقة نحو بناء منظومة معرفية متقدمة تضع الإنسان في مركز التنمية، وتمنحه الأدوات التي تمكنه من الإبداع والمنافسة عالميا في عالم يتشكل على إيقاع الذكاء الاصطناعي.
***
- رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية