صبحي شبانة
كيف يمكن ليدٍ أن تمتد إلى الزناد، وهي تعلم يقينًا أن وجهتها أرضٌ تحمل في وجدان المسلمين قداسة لا تضاهيها قداسة؟ كيف تستقيم معادلة تُطلق فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو المملكة التي تحتضن الحرمين الشريفين، وتفتح أبوابها لملايين الحجاج والمعتمرين من كل فجٍّ عميق، ومن بينهم أبناء الشعب الإيراني نفسه؟، إنه سؤال يتجاوز حدود السياسة إلى عمق الضمير، ويكشف عن خللٍ فادح حين تنفصل الحسابات الاستراتيجية عن القيم الدينية والإنسانية.
فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة في معادلة إقليمية، بل هي قلب العالم الإسلامي النابض، ومهوى أفئدة المسلمين، ورمز الاستقرار الروحي الذي يتجاوز الجغرافيا والسياسة، وحين تُستهدف، فإن الاستهداف لا يكون موجهًا لحدودها فحسب، بل يلامس مشاعر أكثر من اثنين مليار مسلم يرون فيها قبلةً ومقصدًا وملاذًا.
الاعتداءات المتكررة التي تستهدف المملكة ودول الخليج لا يمكن قراءتها فقط في إطار الصراع التقليدي على النفوذ، بل تطرح إشكالية أخلاقية عميقة، كيف تتحول أدوات الحرب إلى وسيلة للضغط حتى لو طالت مقدسات الأمة؟، وكيف يُختزل الدين، الذي يفترض أن يكون رادعًا للعدوان، إلى مجرد شعار يُرفع حين يخدم المصالح ويُغيب حين يتعارض معها؟، إن هذا التناقض الصارخ بين الشعارات والممارسات يضعنا أمام مشهد يعكس أزمة في تعريف الأولويات، واختلالًا في ميزان القيم.
الحقيقة التي لا ينبغي القفز فوقها، أن ما يجري لا يعكس وجدان الشعوب بقدر ما يعكس حسابات الأنظمة، فالشعب الإيراني، كغيره من شعوب المنطقة، ليس في حالة عداء مع قدسية الحرمين، بل إن قطاعًا واسعًا منه يحمل تقديرًا عميقًا لهما، ويتطلع إلى زيارتهما في أمن وسكينة، غير أن القرارات التي تُتخذ في غرف السياسة كثيرًا ما تنفصل عن هذا الوجدان، وتُدار بمنطق موازين القوة والرسائل العسكرية، حيث تصبح الصواريخ لغةً بديلة عن الحوار، والمسيّرات أداةً لإيصال رسائل تتجاوز حدود المعقول.
من هنا، تبدو هذه الاعتداءات في أقل توصيف لها عملاً جبانًا، لأنها لا تستهدف خصمًا عسكريًا مباشرًا بقدر ما تحاول النيل من حالة الاستقرار والأمان في منطقة تُعد الأكثر حساسية دينيًا واقتصاديًا، وهي أيضًا عمل يتنافى مع جوهر العقيدة الإسلامية التي تُعلي من شأن حرمة الدماء والمقدسات، وتدعو إلى صيانة الجوار واحترامه، لا إلى انتهاكه واستباحته، فالدين الذي يُفترض أن يكون جسرًا للتلاقي، لا يمكن أن يتحول إلى غطاءٍ لصراعات لا تعترف بقداسة المكان ولا بحرمة الإنسان.
الجغرافيا بدورها تفرض منطقًا آخر، منطق التعايش لا التصادم، فدول المنطقة محكومة بتاريخ مشترك ومصير متداخل، وأي محاولة لفرض الهيمنة بالقوة لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، إن أمن الخليج ليس مسألة محلية، بل هو جزء من معادلة استقرار دولية، ترتبط بأسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، ومن هنا، فإن أي استهداف للمملكة ينعكس أثره على نطاق أوسع بكثير من حدود الصراع المباشر.
وفي هذا السياق، فإن الإصرار على استهداف المنشآت الحيوية، ولا سيما النفطية، يكشف عن محاولة لإحداث اضطراب اقتصادي يتجاوز البعد العسكري. لكنه في الوقت ذاته يعكس عجزًا عن تحقيق الأهداف عبر المسارات الطبيعية، فيلجأ إلى أدوات تصعيدية تحمل في طياتها مخاطر الانفجار الإقليمي. فحين تُستهدف مصادر الطاقة، فإن الرسالة لا تكون موجهة لدولة بعينها، بل للعالم بأسره.
في المقابل، تبرز المملكة العربية السعودية بثبات في موقع مختلف؛ موقع الدولة التي تتحمل مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في حماية حدودها، بل في صون مقدساتها وتأمين ضيوف الرحمن، والحفاظ على استقرار منطقة تعج بالتحديات، وقد أثبتت، عبر مواقفها، أنها تميل إلى ضبط النفس، وتغليب الحكمة، والعمل على تجنيب المنطقة الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، رغم كل الاستفزازات المتكررة.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن من يُفترض أن تجمعهم وحدة الدين وروابط الجوار، يجدون أنفسهم على طرفي نقيض، بسبب سياسات تغلّب منطق الصراع على منطق الحكمة، وهنا تحديدًا تتجلى خطورة الاستمرار في هذا النهج، لأنه لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد فكرة الاستقرار في المنطقة بأكملها، ويضع مستقبلها على حافة احتمالات مفتوحة.
إن إعادة الاعتبار للقيم التي تجمع، لا لتلك التي تفرّق، لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية، فالصواريخ قد تحمل رسائل قوة مؤقتة، لكنها لا تبني استقرارًا دائمًا، ولا تصنع احترامًا حقيقيًا، وحدها الحكمة، واحترام المقدسات، والالتزام بروح الجوار، قادرة على إعادة التوازن إلى مشهدٍ اختلّت فيه البوصلة، وتاهت فيه الأولويات.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في ضمير المنطقة: هل يمكن أن نفسح المجال كي تنتصر لغة العقل على صوت السلاح؟، أم أننا سنظل ندور في دائرة صراعٍ لا يعرف حرمة المكان، ولا يوقّر قداسة الإنسان، حتى ندفع جميعًا ثمن اختلال البوصلة؟