«الجزيرة» - محمد السنيد:
عقد معالي الأمين العام لـمجلس التعاون لدول الخليج العربية اجتماعاً أمس بمقر الأمانة العامة في الرياض مع أصحاب السعادة السفراء ورؤساء البعثات وممثليهم المعتمدين لدى دولة المقر، لبحث تطورات العدوان الإيراني المتواصل على دول المجلس وانعكاساته الإقليمية والدولية.
واستهل معاليه الاجتماع بالإعراب عن تقديره لحضور السفراء في هذا الظرف الدقيق، مقدماً التعازي والمواساة لأسر الشهداء من المدنيين والعسكريين الذين سقطوا جراء الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضي دول المجلس.
استعراض الوقائع الميدانية
أوضح معالي الأمين العام أنه منذ 28 فبراير 2026م أطلقت إيران موجات غير مسبوقة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المسلحة باتجاه الدول الأعضاء الست في مجلس التعاون، إضافة إلى الأردن وعدد من الدول الإسلامية، في تحول نوعي خطير من الاستهداف غير المباشر عبر الأذرع التابعة لها إلى اعتداء مباشر ومتزامن طال جميع دول المجلس.
وأشار إلى أن الهجمات استهدفت الأعيان المدنية والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه والمطارات والمباني السكنية والفنادق والسفارات، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وتوقف حركة الملاحة الجوية في عدد من مطارات دول المجلس. كما لفت إلى أن حصيلة ما أُطلق خلال 25 يوماً تجاوزت 5000 صاروخ وطائرة مسيّرة، تم اعتراض معظمها، فيما أصاب بعضها أهدافاً مدنية مخلّفاً خسائر في الأرواح والممتلكات.
تهديد مباشر لأمن الملاحة والطاقة
وأكد معاليه أن إغلاق إيران لمضيق هرمز وعرقلة مرور السفن وناقلات النفط وفرض رسوم عبور تمثل مخالفة صريحة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتشكل تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أن دول المجلس:
* تنتج نحو 16 مليون برميل يومياً من النفط الخام (22 % من الإنتاج العالمي).
* تصدّر 27 % من صادرات النفط الخام عالمياً.
* تمتلك 33 % من الاحتياطيات النفطية العالمية و21 % من احتياطيات الغاز الطبيعي.
وبيّن أن استهداف منشآت الطاقة في دول المجلس، ومنها مرافق رئيسية في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والكويت وسلطنة عُمان ومملكة البحرين، انعكس فوراً على الأسواق الدولية بارتفاع حاد في أسعار النفط وزيادة غير مسبوقة في تكاليف الشحن والتأمين البحري، محذراً من تداعيات كارثية محتملة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الحيوية.
موقف دول المجلس:
ضبط نفس وخيار دبلوماسي
وأوضح الأمين العام أن دول مجلس التعاون أعلنت بوضوح عدم مشاركتها في أي عمليات عسكرية ضد إيران وعدم السماح باستخدام أراضيها لأي هجوم عليها، والتزمت بذلك، إلا أن هذا الموقف لم يمنع إيران من تنفيذ اعتداءاتها.
وأشار إلى أن دول المجلس تحلت بأعلى درجات ضبط النفس، وآثرت عدم الرد العسكري لتفادي اتساع رقعة الصراع، مؤكداً أن الخيار الدبلوماسي والحل السياسي يظلان الهدف الأول والأخير لدول المجلس.
كما استعرض عدداً من المبادرات التي عكست حسن نية دول المجلس تجاه إيران خلال السنوات الماضية، بما في ذلك دعم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023، والمشاركة في لقاءات وحوارات إقليمية هدفت إلى بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
الأساس القانوني الدولي
وشدد معاليه على أن الهجمات الإيرانية تمثل انتهاكاً صريحاً للمادة الثانية (الفقرة الرابعة) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها، مؤكداً في الوقت ذاته أن حق الدفاع الشرعي عن النفس مكفول بموجب المادة (51) من الميثاق.
وأشار إلى أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 حظي بدعم 136 دولة، في سابقة تعكس إجماعاً دولياً على تحميل إيران مسؤولية التصعيد، كما اعتمد مجلس حقوق الإنسان قراراً بشأن آثار العدوان العسكري الأخير الذي تشنه إيران، بدعم واسع من مختلف المجموعات الإقليمية.
رسالة إلى المجتمع الدولي
وأكد الأمين العام أن أمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على جميع الدول الأعضاء، وفقاً لاتفاقية الدفاع المشترك.
ودعا المجتمع الدولي إلى توجيه رسالة موحدة وواضحة إلى إيران تطالبها بالتوقف الفوري وغير المشروط عن هذه الاعتداءات، مشدداً على أن استقرار الخليج ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل ضرورة حتمية لأمن الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد الدولية.
واختتم معالي الأمين العام تصريحه بالتأكيد على أن دول مجلس التعاون كانت وستظل ركيزة للاستقرار الإقليمي والدولي ومصدراً موثوقاً للطاقة، لكنها في الوقت ذاته لن تقبل بأن تكون هدفاً للعدوان أو ساحة لتصفية الحسابات، مجدداً التزام دول المجلس بالعمل مع شركائها وأصدقائها في العالم لاحتواء الأزمة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، بما يحفظ أمن المنطقة واستقرارها ويصون القانون الدولي.