لم يكن الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية مجرد استيراد ثقافي فرضته ظروف الحداثة، بل هو ثمرة شجرة ضاربة الجذور في عمق وجدان الجزيرة العربية، سقتها حضارات تعاقبت على طمي هذه الأرض ورملها منذ فجر التاريخ، إن المتأمل في تضاريس المنطقة يدرك أن الجبال لم تكن مجرد كتل صخرية صماء، بل كانت أول محترف للإنسان في الجزيرة العربية ففي مرتفعات «جبة والشويمس» بمنطقة حائل ومنذ ما يقارب عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، كان أبناء هذه الأرض يضعون أول أبجدية بصرية في تاريخ المنطقة محولين تلك الصخور إلى مدونات جمالية وثقت رحلات الصيد والرقصات الجماعية، وعلاقة الكائن ببيئته بأسلوب تجريدي واختزالي يسبق مدارس الحداثة العالمية بقرون مديدة، وتستمر هذه الرحلة البصرية عبر الزمن لتصل إلى ذروة الإبداع النحتي في «الحجر» بالعلا، حيث طوع الأنباط واللحيانيون الجبال وحولوها إلى تحف هندسية تفيض بدقة التفاصيل وتناغم النسب، وصولاً إلى نقوش «حمى» في نجران التي كانت بمثابة صالة عرض مفتوحة تروي حكايات القوافل بالخط المسند والرسوم التي لا تزال تنبض بالحياة، مما يؤكد أن عين ابن الجزيرة العربية كانت مبرمجة على تذوق الجمال والكتلة والفراغ منذ الأزل.
هذا الإرث البصري لم ينقطع يوماً إنما تحور بذكاء فطري ليتجلى في الفنون الحرفية والعمارة التي كانت هي التشكيل الحقيقي والعميق قبل ظهور مفهوم اللوحة والمسند، وهنا تبرز عبقرية الفنان الصانع في مختلف المناطق، حيث لم يكن هناك فرق بين فن ورسالة ففي نجد تجلت الهوية في الطراز الطيني الفريد، حيث كانت الأبواب الخشبية تُحفر وتُلون بزخارف هندسية تعكس فلسفة الاستقرار وتحول الباب النجدي إلى لوحة مركبة تدمج بين غائر النحت وزاهي اللون، كما برزت «المشرفيات» و»الشرفات» كعناصر بصرية وظيفية وجمالية في آن واحد.
أما في الحجاز، فكانت الرواشين الخشبية في مكة وجدة والمدينة تمثل ذروة الترف الفني المعماري، حيث يتداخل الخشب المعشق بخرط دقيق يمنح واجهات المباني إيقاعاً تشكيلياً متكرراً يمزج بين الضوء والظل.
وفي الجنوب، فقد قاد الفنانون هناك ثورة لونية مذهلة عبر فن القط العسيري الذي حوّل جدران المنازل الداخلية إلى فضاءات تجريدية تضج بالألوان الصريحة والأنماط الهندسية المعقدة المستوحاة من تضاريس الجبال والنباتات.
وفي الشمال تماهت الفنون مع نسيج السدو الذي ترجم خيال المبدع في خطوط متوازية ورموز «الوسم» التي تحكي قصة الوفاء والارتحال. إن هذا الامتداد الحرفي والمعماري كان هو «المدرسة التشكيلية الأولى» التي استقى منها فنانو الرواد إلهامهم، حيث كانت ممارسة التشكيل جزءاً لا يتجزأ من طقوس الحياة اليومية وبناء الهوية المكانية.
ومع بزوغ فجر الدولة السعودية الحديثة، انتقل هذا الشغف من طور الممارسة الفطرية والجمعية إلى طور المأسسة الرسمية؛ ففي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز وتحديداً في عام 1957م، صدر قرار من الأمير فهد بن عبدالعزيز (وزير المعارف آنذاك) بإدراج مادة «التربية الفنية» في المناهج الدراسية، وهي الخطوة التي حولت الموهبة من الهواية المنزوية إلى المسار التعليمي المنظم. ولم يمضِ عام واحد حتى توج الملك سعود هذا الحراك برعاية أول معرض فني مدرسي بجدة عام 1958م، ليكون بمثابة الإعلان الرسمي عن ميلاد حركة تشكيلية تحظى بمباركة القيادة واهتمام المجتمع. في تلك الأجواء المفعمة بالطموح، ظهر جيل من الرواد الذين حملوا على عاتقهم مهمة صياغة الهوية البصرية الوطنية في قوالب أكاديمية، فكان عبدالحليم رضوي هو «المنارة» التي أضاءت الطريق بإقامته أول معرض شخصي عام 1965م في جدة، مقدمًا أسلوباً يمزج بين العفوية التعبيرية وبين الزخارف الشعبية. وبجانبه برز محمد السليم، الفنان والمفكر الذي أسس «دار الفنون السعودية» وابتكر أسلوبه «الآفاقي» الذي يختزل الطبيعة في خطوط ممتدة تعكس اتساع الصحراء. أما ضياء عزيز ضياء، فقد كان السفير المخلص للمدرسة الأكاديمية الإيطالية في دقة التشريح والظلال، بينما برع علي الرزيزاء في تحويل مفردات العمارة النجدية إلى نصوص فنية معاصرة أثبتت أن التراث هو الرافد الأول للحداثة.
وعلى ضفة أخرى من النهر، كان هناك تيار عصامي لا يقل قوة ولا تأثيراً، تيار آمن بالفن كرسالة وجودية رغم غياب البعثات الرسمية لبعض أفراده؛ وهنا يبرز اسم سعد العبيد كأحد أعظم المناضلين في سبيل الفن التشكيلي السعودي. لم يكن العبيد مجرد فنان يمسك بالريشة إنما كان نبض الحراك التشكيلي في المنطقة، حيث استطاع بجهوده الذاتية وعصاميته الفذة أن يفرض وجوده كفنان أصيل يصور البيئة والحياة اليومية بصدق مذهل. لم يكتفِ العبيد بمرسمه، بل كان له دور محوري وتاريخي في أروقة رعاية الشباب وغيرها من الجهات الأخرى حيث ساهم في تنظيم المعارض الأولى وكان الجسر الذي يربط بين الفنانين الشباب وبين الإدارات الرسمية، مقدماً نموذجاً للفنان الذي يزاوج بين الإبداع وبين العمل المؤسسي الدؤوب لتأسيس كيان للفنانين السعوديين، ومساهماً في صياغة لغة نقدية تواكب الانطلاقة الأولى.
كما برزت في هذا المشهد التأسيسي تجارب نسائية رائدة فرضت حضورها بقوة؛ فكانت صفية بن زقر توثق بفرشاتها تفاصيل الحياة الاجتماعية والحكايات الشعبية، وأسست «دارة صفية بن زقر» كمنارة ثقافية، فيما قدمت منيرة موصلي تجارب لونية وفلسفية عميقة عكست نضج الفنان وقدرته على التجريب. وفي تلك الحقبة أيضاً، كان طه صبان يعيد صياغة جماليات المدينة الساحلية بأسلوب تعبيري دافئ، بينما قدم عبدالله الشيخ رؤاه الفنية الرصينة القائمة على التكوين القوي، وعبدالجبار اليحيا الذي صاغ الوعي الفني بريشته وقلمه الناقد، محاولاً تأصيل الفن في التربة المحلية. ولا يمكن إغفال دور فوزي لاري ومنصور كردي ويوسف جاها الذين وضعوا بصماتهم في التأسيس الأكاديمي والتعليمي، مستلهمين روح البدايات من تجربة الملهم الأول محمد راسم الذي بذر بذور الرسم الأولى في مكة المكرمة قبل عقود من المأسسة التعليمية.
هذا الزخم الفني وجد مظلته الكبرى في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز - يرحمه الله - بتأسيس «معهد التربية الفنية» بالرياض عام 1965م. كان هذا المعهد هو «الرحم الأكاديمي» الذي ولد منه معظم فناني المملكة؛ فلم يكن مجرد مدرسة لتعليم الرسم، بل كان صرحاً تُدرس فيه قواعد المنظور، والتشريح، وتاريخ الفنون العالمية، تحت إشراف أساتذة متخصصين وضعوا مناهج صارمة تهدف لخلق جيل من الفنانين المتخصصين.
كان المعهد في تلك الستينيات يغلي بالنشاط، حيث كان الطلاب يقضون ساعات طوالاً بين ورش النحت، والخزف، والتصوير الزيتي، مما خلق حالة من التنافس الفني أدت لاحقاً إلى ظهور جماعات فنية أثرت الساحة. ومع نهاية الستينيات، بدأت الرئاسة العامة لرعاية الشباب تتبنى هذا الحراك بشكل أكثر تنظيماً بقيادة الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز؛ حيث أطلقت الرئاسة أولى المسابقات الكبرى والمعارض الجماعية، مثل المعارض التي كانت تقام في الصالات الرياضية أو المراكز الثقافية الناشئة، والتي منحت هذا الجيل منصة للظهور والمنافسة، ووضعت حجر الأساس لما سيصبح لاحقاً «عصراً ذهبياً» للفن السعودي في السبعينيات.
لقد كانت تلك الستينيات بمثابة «المخاض الجميل» الذي ولد منه الفن التشكيلي السعودي، ليخرج من عباءة الممارسة الفردية إلى فضاء الاحتراف المؤسسي. وبنهاية هذا العقد، كان الفن التشكيلي قد ثبت أقدامه كجزء لا يتجزأ من الثقافة الوطنية، بانتظار العقد التالي الذي سيشهد انفجاراً في الأسماء والمناطق والمؤسسات.
وإذ نطوي اليوم هذه الصفحة الأولى من سجلنا التشكيلي، نكون قد استعدنا حكاية الضوء في الستينيات وما قبلها؛ تلك الحقبة التي وضعت فيها الريشة السعودية أولى بصماتها على جبين الزمن. لكن القصة لا تنتهي هنا، بل هي في الحقيقة بدأت للتو. فماذا حدث عندما دقت السبعينيات أبوابها؟ وكيف تحول الفن من «مبادرات أفراد» إلى «حراك مؤسسات» ومناطق؟ وكيف اقتحم جيل جديد الساحة برؤى صادمة وجريئة أربكت المشهد وأثارت الجدل؟
في مقالنا القادم، سنبحر في «العصر الذهبي»، حيث ولادة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، وانفجار الأسماء في شرق المملكة وغربها، وظهور جماعات فنية غيرت مجرى التأريخ. انتظرونا في المحطة القادمة.. حيث للون بقية، وللحكاية فصول لم تُروَ بعد.
***
- إعداد: عبدالله عبدالرحمن الخفاجي/ منصة إكس: AL_KHAFAJII