كانت فارس، في عصرها الإمبراطوري، ترى نفسها حضارة متقدمة تجاورها صحراء عربية بدائية قبلية. وقد خلّف سقوط تلك الإمبراطورية على يد العرب نُدبة في وجدان قيادات الفرس وثُلمة في شعورهم بالتفوّق الثقافي والفكري. ويمكن للمرء أن يلمس تجليات هذا الإرث في العصر الحديث، حين أقام شاه إيران عام 1971م احتفالاً ضخماً في برسيبوليس، عاصمة الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، قرب ضريح كورش الأول، أول ملوك فارس بمناسبة مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية؛ دعي إليه زعماء العالم ليتباحثوا في قضايا الإنسانية مُتفيئين ظلال هُوية فارسية تدعي لنفسها أبدية الحكمة والفطنة. وقيل إنّ ذلك الحدث كان الأعلى تكلفة في التاريخ قاطبة.
ويمكن ملامسة ذلك في تقديم التشيع كوجه ديناميكي، تقدّمي وعقلاني للإسلام، وهو تصور حظي بدفعة كبرى مع العودة الثورية للخميني إلى طهران، حين عادت الموجة الإسلامية السياسية المشهد الإيراني.
ففي عام 1979، أطيح بصاحب الجلالة الإمبراطور محمد رضا بهلوي، شاه إيران؛ وحطت طائرة الخطوط الجوية الفرنسية في طهران، وعلى متنها آية الله الخميني، ليستقبله ملايين الإيرانيين في مشهد ضاقت به الشوارع بالهتاف والتهليل، غصّت طهران بعشرات الآلاف من شتى ألوان الطيف السياسي الإيراني: علماء الدين المحافظين، وأنصار مصدّق، وطلاب الجامعات، بل حتى اليساريين والشيوعيين من منظمة مجاهدي خلق وقد غمروا جميعًا شوارع العاصمة يجمعهم يقين واحد: أنّ لكلّ منهم يدًا في الإطاحة بالشاه، ورغبة مشتركة في أن يكونوا شركاء في بناء النظام الجديد الذي كافحوا من أجل بزوغه. أمّا الخميني، العائد من منفى امتد قرابة خمسة عشر عامًا، وقضى عامه الأخير في فرنسا، فقد كان قائدهم الذي لا يُنازع، وزعيمهم الذي لا يشكك أحد في سلطته، ولا يزايد على ثقتهم به، معتقدين أن قيادته ستكون تجسيدًا حياً لنضالهم وتضحياتهم.
أرسى وصول الخميني وإعلانه قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تصوراً عند البعض بأن إيران ستقدم نموذجاً لتفسير الإسلام بوصفه خطابًا وسردية اجتماعية وسياسية تطبق في عالم اليوم، بمشاركة شخصيات مثل مهدي بازارغان، وآية الله محمود طالقاني، وأبو الحسن بني صدر، والإشارة إلى علي شريعتي بوصفه المفكر الأبرز للثورة، علاوة على إحياء ذكرى محمد مصدق، وإعلان الالتزام المطلق بالقضية الفلسطينية؛ كلها كانت مؤشرات واعدة عززت تفاؤلاً وبرّرت ما كان يعلقه البعض من آمال.
غير أن «الثورة» لم تلبث طويلاً حتى انقضّت على ما بشرت به من وعود وآمال؛ فأقصي مهدي بازارغان الذي عُيّن كأول رئيس حكومة مؤقتة لإيران بعد انتصار الثورة (فبراير 1979)، لتشديده على الحريات المدنية، والتمسك بالقانون، والحكومة البرلمانية؛ واحتجاجه على الإجراءات القمعية التي تبنتها بعض تيارات الثورة؛ وأدت أزمة رهائن السفارة الأمريكية إلى تفاقم الخلاف، حين وقفت حركة الطلاب المحتجزين للسفارة إلى جانب قوى انقلابية موازية للسلطة التنفيذية، مما دفع بازارغان إلى الاستقالة احتجاجاً في 4 نوفمبر 1979م.
وهُمش محمود طالقاني بسبب آرائه حول طبيعة السلطة ودور رجال الدين في الحكم، وانتقاده لبعض السياسات القمعية وإغلاق الصحف والتصفية السياسية والإعدامات والحملة على الأحزاب والتيارات المختلفة.
كما اختلف أبو الحسن بني صدر الذي انتخب أوّل رئيس للجمهورية الإيرانية يناير (1980)، مع الخميني حول طبيعة السلطة وتحكم المؤسسات الثورية (مجلس الثورة، الحرس الثوري والمرجعية) بالقرار السياسي والأمني؛ مما شكل تحدياً للرئاسة وللسلطة المدنية - وتصاعد الخلاف سياسياً، وعلى الأرض مما اضطره إلى الهروب إلى فرنسا في يونيو 1981 بعد اشتباكات سياسية عنيفة.
أما خلفاء محمد مصدّق، رئيس الوزراء الإيراني الذي أطاح به عملاء أمريكيون وبريطانيون عام 1953، لحرصه على أن تكون إيران هي من تملك نفطها، وتبيعه وتجني أرباحه، لا بريطانيا. وعُرف بصلابته في المعارضة، فقد جرى استيعاب خلفائه من أنصار الدستور داخل النظام، قبل أن يُجهز على تطلعاتهم الليبرالية.
وتوارت أعمال علي شريعتي عن الأنظار؛ على الرغم مما حظي به من إعجاب واسع بين أولئك الذين كانوا ينشدون عملاً فكريًا أصيلاً وافتراضات واقعية عن الإسلام والحداثة. ولم يكن انتماؤه إلى المذهب الشيعي عنوانًا بارزًا لشخصيته؛ إذ قدم نفسه في كثير من محاضراته كمفكر إسلامي، لا كداعية لتفسير طائفي بعينه. ورغم تكرار اعتقاله، لم تتضمن كتاباته انتقادات مباشرة للنظام البهلوي. ويُروى أنه التقى خلال دراسته في باريس بالمفكر فرانز فانون، وأنه ترجم إلى الفارسية أجزاءً من كتابه الشهير «معذبو الأرض». كانت دعوة شريعتي إلى تحرير المسلم من أسر الطبيعة والتاريخ والمجتمع والقيود الداخلية احد أبرز نداءاته ومحاور فكره.
واستمرّت الأقليات في معاناتها من الاضطهاد بالقسوة ذاتها التي لاقتها في عهد الشاه. وغدت عقيدة «ولاية الفقيه» الصورة التي صاغتها الثورة ورضيتها لنفسها؛ مبدأ حلت فيه رؤية فرد واحد محل اجتهاد الجميع.
وهكذا، عوضاً عن أن يقدّم آية الله الخميني نموذجاً للتنوير في الإسلام، أو أن يهيئ الساحة لظهور المسلم الواعي الحرّ الخلاّق الذي دعا إليه شريعتي، طرح نموذجاً يقوم على الطاعة العمياء لحاكم شبه مقدّس، وراح يروّج لنداء مقلق بتصدير الثورة. وبهذا، وبدلاً من أن تشهد سماء إيران نموذجاً للمستقبل، وجدت المنطقة نفسها أمام نظام يكرس قدسية الإمام ويجاهر بتصدير الثورة، ويروج لنسخة دينية وسياسية من التشيّع تنطوي على كراهية للآخر، وتحفر في لا وعي الحشود بترداد لا يفتر أن في الهيمنة خلاصها التاريخي.. ما يبعث على الحزن والأسى هو ما خلفه ذلك من تداعيات مزّقت لحمة المجتمع الإيراني، بانقسامات متنامية بين مكوناته؛ ودفع شريحة متزايدة من الإيرانيين إلى النفور من الإسلام.
إيران الثورة دأبت على معاداة محيطها العربي وادعاء فوقيتها عليه، والعمل على بسط هيمنتها بليّ للتاريخ وتسييس المذهب والتدثر بالشعارات، وتحول هذا العداء إلى اعتداء يتجاوز أبجديات الوعي السياسي.
فعالم اليوم، تتبدى فيه سمات الانفلات من تلك المعاهدات والمؤسسات والاتفاقيات الدولية التي أرسيت وتبلورت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. كما أخذت تتشكل فيه تعريفات جديدة للقوة بين دول ترى في تفوقها العسكري مدخلاً لخدمة مصالحها الذاتية بقرار منفرد، وأخرى ترى في تنامي وزنها الاقتصادي مسارها الأهم، وثالثة تدعي لنفسها حق الهيمنة على إقليمها. وساحات العمل السياسي باتت تتنازعها تيارات شعبوية يمينية تقابلها تيارات شعبوية يسارية؛ وشرعت القوانين للمال أن يتدفق للتأثير في الحملات الانتخابية وامتلاك وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وظلت منطقة الشرق الأوسط حاضرة في خطابات كل تلك التوجهات، بموقعها الذي يتوسط العالم وسلاسل الإمداد من شرقه لغربه؛ وبثرواتها الطبيعية وملاءتها المالية المؤثرة؛ وبشوط التنمية الذي قطعته بعض دولها؛ وبحضارتها الإسلامية الضاربة بجذورها عبر القرون.
وبالتالي، ما عاد لدولة أن تنكفئ على ذاتها بمنأى عما يحدث في العالم؛ أو تتخذ قراراتها دون حساب لموازين القوى ومآلات تلك القرارات.
وتعظيم القيمة الذاتية للشرق الأوسط، رهين بأن تتمكن دوله من نسج تحالف إقليمي ثابت ومتآلف ومتوازن ومتصالح.
فلا مستقبل لإيران دون أن تعي متغيرات الساحة الدولية، وأن تتسق مع إقليمها؛ وتبصر أنها مكون واحد فقط من مكوناته، وأن غير ذلك وهم وسراب وجادة مسدودة، وانكسار لا محالة.
** **
- إياد أمين مدني / وزير سابق لوزارتي الحج والثقافة والإعلام