خالد بن حمد المالك
وهْمُ النظام الإيراني بعودة إمبراطوريتهم العظمى من جديد، واستعادة أمجادها الغابرة لتكون لها الهيمنة على دول وشعوب، مثلما كانت عليه في الماضي، وهْمٌ لا يخلو من غباء في قراءة التاريخ، ومراجعة الجغرافيا، والتعمّق بما آلت إليه حضارتها المجوسية البائدة التي كانت عليها قبل دخولها إلى الإسلام.
* *
إن التفكير بالعودة إلى أكثر من 14 قرناً مضت وانقضت منذ القضاء على تلك الإمبراطورية، واستمرار الحقد والكراهية على كل ما هو عربي ومسلم سنِّي، انتقاماً لدورهم في القضاء على تلك الإمبراطورية، لا يرفع من شأن إيران الحديثة، ولا يمنحها القوة والقدرة، ولا يبرر لها هذا الموقف العدائي، ولا يعطيها الحق بابتعادها عن العرب، وتحديداً جيرانها، وخاصة دول مجلس التعاون.
* *
في إيران ما يكفيها من المشاكل الداخلية، فضلاً عن أن تضيف إليها مشاكل مع الخارج، فكيف بها تضع نفسها في هذا الموقف الذي أضرَّ بإيران على مدى نصف قرن تقريباً، وتحديداً منذ تولي الخميني السلطة في البلاد منذ 47 عاماً خلفاً للشاه، بدعم غربي أدى إلى سقوط نظامه.
* *
فإيران التي تضم قومياتٍ وطوائفَ عدَّة، ويتكون سكانها من أقليات كثيرة، والنظام في حالة عجز عن احتوائهم، بفعل الممارسات العنصرية ضد كل من هو ليس فارسياً وشيعياً، وبالتالي فلا يمكن أن تكون بذلك قوة مهابة، وهي تفعل ما تفعله بالداخل، وفي بعض دول الجوار، بإنشاء ميليشيات فيها.
* *
وإذا كان قدر إيران أن تكون بهذا التنوُّع في الأعراق والأديان والمذاهب، فقد كان على نظام ولاية الفقيه العمل على دمج المكونات السكانية، من خلال تمكين الجميع من خدمة الوطن بعدل ومساواة، بدلاً من التضييق على الأقليات، ومنعهم من أبسط حقوقهم، كمواطنين، وممارسة العنف مع كل صوت حر يرتفع ضد ممارسات هذا النظام.
* *
نحن لا نتحدث عن مملكة فارس المجوسية البائدة، ولا عن الحضارة المجوسية التي ليس الزمان زمانها، ولا عن الإمبراطورية التي كانت تحكم بالحديد والنار والدماء، وإنما نتحدث عن دولة حديثة، عن إيران المسلمة، التي ثلث سكانها من المسلمين السنَّة، ممن يحرمون حتى من إقامة مساجد للصلاة في وطنهم، وهو ما يجعل استقرار الدولة مع هذه السياسة بعيد المنال.
* *
لاحظوا أن الأكراد والبلوش والأذاريين والتركمان والأزبك والطاجيك وعرب الأهواز، يمثِّلون 30 % من السكان وهم من السنَّة، مليون منهم يعيشون في طهران، وكلهم لا يتمتعون بحقوقهم الوطنية، فكيف يضمن النظام ولاءهم أمام سوء التعامل معهم؟!
* *
والحرب الحالية التي تشنُّها أمريكا وإسرائيل ضد إيران تُضاف إلى الحرب الأولى العام الماضي، وإلى حربها مع العراق، وتلقي بظلالها على أعمالها المسيئة في لبنان وسوريا والعراق واليمن ودول أخرى، ما يجعلها دائماً في حالة قلق وعدم استقرار وتخوُّف من المستقبل، وهو ما تجنيه الآن بفعل سياساتها الحمقاء.
* *
وللتذكير، فإن المفاوضات هي الطريق الصحيح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه الحرب، ولا يمكن لإيران أن تحصل على عرض يماثل أو يقترب مما كان معروضاً عليها قبل الحرب، فوضعها الآن أضعف من أن تملي شروطها، والخيارات أمامها محدودة، وتحسين الشروط الأمريكية ممكن تحقيقها ولكن في حدود، وغير ذلك؛ فهي كما قال ترامب تفتح أبواب جهنم.
* *
إن إنهاء القتال لا يمر عبر الاعتداء على المملكة ودول مجلس التعاون، بهدف جرِّها للانخراط في معركة لا علاقة لها بها، وإنما بالعودة إلى تغليب مصلحة إيران الآن ومستقبلاً، وهذا يعني توفير الجهد والمال، وتوظيف السياسة، والعلاقات الدولية لمصلحة الشعب الإيراني، لا بتصدير الثورة، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، فالنار تشتعل في الداخل والخارج ضد أوهام وسلوكيات إيرانية لم تجن منها طهران إلا الخيبة والخسران والفشل.