الرياض - خاص بـ"الجزيرة":
يرى البعض أن الخلافات بين الحين والآخر قد تكون «ملح وفلفل» الحياة الزوجية، وأن التناغم التام قد يؤدي إلى الملل، كما أن الخلافات تسهم في نضج العلاقة، لكن الأمر يحتاج لقدر كبير من الحكمة حتى لا تأتي الخلافات بنتيجة عكسية.
ويرى آخرون أن كثرة الخلافات الزوجية وتوسعها مؤشر خطر على وجود خلل عميق في التواصل العاطفي، وضعف في مهارات إدارة النزاعات، مما قد يؤدي إلى تفكك الأسرة أو الانفصال، حيث تدل هذه الصراعات على تراكم استياء دفين، وعدم التفاهم، أو وجود فجوة في التوقعات، وتعمل كرسالة إنذار بضرورة إعادة تعارف الزوجين، وتجديد المودة، والعمل على حل المشاكل جذرياً.
«الجزيرة» رصدت رؤى عدد من المختصين حول الخلافات الزوجية، وآثارها.
مشكلات كثيرة
يؤكد الدكتور عبدالله بن محمد الطيار أستاذ الفقه مفوض الإفتاء بمنطقة القصيم سابقا: إن العلاقة الزوجية إذا بنيت على أساس الإيمان والتقوى، والمحبة والرحمة والمودة، فلا خوف عليها إطلاقًا ولا خطر، وإن وقع بين الزوجين خلاف، فإنه يُفضُّ بالتفاهم بلا تفاقم، وذلك لأن القلب المحب يتحمل الإساءة، ويصبر على صاحبها، ومعلوم أن الحياة الزوجية لا تخلو من خلاف ونكد، ولولا صبر الزوجين وتحملهما بعد توفيق الله - تعالى - لما عاش زوجان حياتهما معًا، مشيراً إلى أنه مع الأسف الشديد ظهر في مجتمعنا مشكلات كثيرة بين الأزواج والزوجات، وساءت المعاشرة بينهم بسبب جهلهم بالدين وأحكامه، وتخليهم عن سنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخلاقه، فكثرت الخلافات الزوجية، وفقد الأزواج نعمة الله عليهم بالمودة والرحمة، وحلت مكانها العداوة والبغضاء، وعشعشت في البيوت كثير من الأدواء حتى صار البعض من الأزواج والزوجات يتمنَّى ألا يرى الآخر؛ لكي ينال الراحة والهناء، وما كان ذلك إلا بسبب غياب الوازع الإيماني الذي يضفي السعادة على حياتهما.
حقوق يجب معرفتها
ومضى الدكتور عبدالله الطيار أستاذ الفقه في حديثه قائلا: لو علم كل من الزوجين حق الآخر عليه، وعمل ما في وسعه؛ لإرضائه ابتغاء وجه الله، لنالا سعادة الدنيا والآخرة، ومن هذه الحقوق التي يجب معرفتها:
حق الزوج على زوجته؛ فقد روى مسلم في «صحيحه» عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((الدنيا متاعٌ، وخير متاعها المرأة الصالحة))، والمرأة الصالحة هي التي تراعي حق الله - تعالى - في المقام الأول ثم حق زوجها، ومن صفاتها أن تلازم بيتها، ولا تكثر الخروج من دون حاجة ضرورية كصلة الأرحام، وعيادة المريض، وأن يكون همها صلاح شأنها، وتدبير بيتها، وتربية أولادها، وهناءة أسرتها، قانعة بما قسمه الله - تعالى - لها من الرزق، وعليها أن تقدم حق زوجها على حق نفسها وأقاربها، وأن تكون مستعدة له في كل وقت للتمتع بها متى شاء، إلا في أيام حيضها ونفاسها، ولا يجوز لها أن تمنعه من تمتعه بها، وأن تكون عونًا له على طاعة الله، وأن تلتزم بأوامر ربها وسنة نبيها - صلَّى الله عليه وسلَّم - ففي ذلك الخير كله.
وأما حق الزوجة على زوجها: فبإحسان المعاملة لها، وأن يحتمل الأذى منها، ويحلم عليها، ويرفق بها، وأن يلاعبها ويداعبها ويمازحها، وأن يكون غيورًا عليها، وأن ينفق عليها بالمعروف، وأن يعدل بينها وبين زوجاته، وأن يؤدبها إذا نشزت وأفسدت لحملها على الطاعة والاستقامة، ولكن بتدرُّج كما أمر الشارع الحكيم، وأن يحرص على إحصانها وإعفافها، وألا يهينها بسبٍ أو تحقيرٍ أو تقبيحٍ، وأن يبالغ في إكرامها، وأن يعلمها أمر دينها، فما صلحت امرأة إلا بصلاح قلبها، وما صلح قلبها إلا بامتلائه بالإيمان الصادق.
مناقشة بدون أولاد
وشدد الدكتور عبدالله الطيار القول: إذا حصلت المشكلات بين الزوجين، فلا بد من التسامح، وأن يغفر كل واحد منهما إساءة الآخر له، وأن يتذكر حسناته ومميزاته، ويجب أن تكون المناقشة بينهما دون الأولاد؛ حتى لا يتأثروا بذلك، وينبغي عليهما ألا يسمحا بتدخل أحد بينهما مهما كانت المبررات؛ لأن هذا بداية تزلزل الأسرة وانهيارها، فإذا تمسك كل واحد منهما برأيه، فلا بد من عرض الأمر على غيرهم ممن يتوسم فيهم الخير والصلاح من باب النصح والمشورة، لا من باب الشكوى، وليحرص كل منهما على المعاشرة بالمعروف، وليعلما أن الدنيا دار ممر لا قرار فيها، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد.
الدعم الأسري
ويبين الدكتور عادل بن عبدالتواب الشناوي استشاري الأمراض الصدرية بالرياض أن الحالة النفسية تؤثر بشكل مباشر على الجهاز التنفسي ووظائف الصدر، التوتر المزمن، القلق، والاكتئاب -وخاصة الناتجة عن ضغوط أسرية أو اجتماعية- قد تؤدي إلى الشعور بضيق التنفس أو الكتمة الصدرية في غياب سبب عضوي واضح، كما تُعزى هذه الأعراض إلى زيادة نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي، وتوتر عضلات الصدر، واضطراب نمط التنفس، مما يسبب أعراضًا صدرية وظيفية قد تحاكي الأمراض العضوية، لذلك يُعد التقييم النفسي والدعم الأسري جزءًا أساسيًا من النهج العلاجي المتكامل، ويسهمان بشكل فعّال في تحسين الأعراض وجودة الحياة لدى المصاب بأمراض صدرية تنفسية.
عوامل نفسية
وشدد د. عادل الشناوي استشاري الصدرية بالرياض على أن العوامل النفسية لها آثار في حدوث التوتر المزمن، القلق، واضطرابات المزاج ولها دور مهم في ظهور الأعراض الصدرية والتنفسية، بما في ذلك ضيق التنفس والكتمة الصدرية، وذلك في غياب سبب عضوي واضح في كثير من الحالات، وتزداد هذه الأعراض خاصة في ظل الضغوط الأسرية والاجتماعية المستمرة، وتنشأ هذه المظاهر نتيجة خلل في تنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي، وزيادة نشاط الجهاز السمبثاوي، إلى جانب اضطراب نمط التنفس وتوتر عضلات جدار الصدر، مما يؤدي إلى أعراض صدرية وظيفية قد تُشابه الأمراض العضوية.
إن إدراك الطبيعة الوظيفية والنفسية لهذه الأعراض يُعد أمرًا ضروريًا لدى الأطباء لتجنّب الإفراط في الفحوصات أو العلاجات غير الضرورية، كما أن دمج التقييم النفسي، وطمأنة المريض، ومعالجة العوامل النفسية والاجتماعية يُمثل جزءًا أساسيًا من النهج العلاجي.
دور وقائي
ويؤكد د. عادل الشناوي استشاري الصدرية بالرياض على الدور الوقائي للحالة النفسية والمزاجية الجيدة في صحة الجهاز التنفسي، حيث تُسهم الحالة النفسية المستقرة والمزاج الجيد، إلى جانب العلاقات الأسرية الداعمة، في الحفاظ على كفاءة الجهاز التنفسي والحد من ظهور العديد من الأعراض والأمراض الصدرية الوظيفية، فالاستقرار النفسي يقلل من تنشيط الجهاز العصبي السمبثاوي، ويحافظ على نمط تنفس منتظم، ويحد من توتر عضلات جدار الصدر، مما ينعكس إيجابًا على الإحساس بالتنفس وجودته، كما أن الدعم الأسري والبيئة النفسية الإيجابية يساعدان في تقليل مستويات التوتر والقلق، ويعززان الالتزام بالعلاج ونمط الحياة الصحي، الأمر الذي قد يسهم في الوقاية من ضيق التنفس الوظيفي وتكرار الأعراض الصدرية غير العضوية.
لذلك يُعد تعزيز الصحة النفسية والعلاقات الأسرية جزءًا مهمًا من الرعاية الوقائية الشاملة، ويجب أن يؤخذ في الاعتبار ضمن التقييم والعلاج المتكامل للمرضى في الممارسة السريرية اليومية.
ترتيب الأولويات
ويؤكد الأستاذ علي بن أحمد الصعيب المرشد الأسري على أنه لا تخلو أي علاقة زوجية من الخلافات، مهما بدت مثالية في ظاهرها، فالحياة المشتركة بطبيعتها مليئة بالتحديات والمسؤوليات التي تتغير بتغير المراحل الزمنية، كما تعد الخلافات الزوجية جزءاً من واقع يومي يحتاج وعياً أكبر في التعامل معه، لا سيما في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، مشيراً إلى أن الخلافات الزوجية في جوهرها ليست سلبية في الغالب؛ فالخلافات الصحية تعكس وجود حوار وتفاعل بين الزوجين، وتكشف عن الاحتياجات غير المعلنة، وتساعد على إعادة ترتيب الأولويات داخل العلاقة الزوجية والأسرية حيث إن المشكلة لا تكمن في وجود الخلافات بذاتها، بل في أسلوب إدارته؛ فحين يُدار أي خلاف بعقلانية واحترام وتكون مرجعيته المنظومة الاجتماعية، الشرع والقانون والعادات الأصيلة، يتحول إلى وسيلة لتعميق الفهم وبناء علاقة أكثر نضجاً وتماسكاً.
برامج تأهيل
وأبان علي الصعيب أن العلاقة الزوجية تمر بمراحل، ففي السنوات الأولى وهي مرحلة التعارف والاكتشافات، غالباً ما تنشأ الخلافات بسبب الفجوة بين التوقعات والواقع، ومحاولة كل طرف التكيف مع نمط حياة جديد. ومن أبرز الخلافات فيها ضعف في معنى الحياة الزوجية وقداستها وتدخل الأهل السلبي وتوزيع الأدوار داخل المنزل، وإدارة الميزانية المالية، ومن هنا تبرز أهمية برامج تأهيل المقبلين والمقبلات على الزواج، التي تكسبهم معلومات ومهارات كمهارة الحوار الصريح منذ البداية، والاتفاق على حدود واضحة للتدخلات الخارجية، مع التحلي بالصبر والتفهم، فمرحلة التأسيس تعد حجر الأساس لبناء التوافق بين الزوجين في الحياة الزوجية، وبحمد الله في المملكة العربية السعودية حرص على وجود برامج تأهيل المقبلين والمقبلات على الزواج تقدم من قبل مدربين ومدربات مؤهلين وتحت إشراف جهات رسمية ومعتمدة؛ فالذين حضروا تلك البرامج أصبحت لديهم الكفاءة والقدرة على حل الخلافات بوعي.
أساليب التربية
وشدد المرشد الأسري علي الصعيب على أن الخلافات في مرحلة التآلف والاستقرار وتربية الأبناء مع قدوم الأولاد، تتغير الأولويات وتزداد الضغوط، ما يجعل الخلافات أكثر حساسية، وقد تتمحور حول أساليب التربية، أو توازن المسؤوليات بين الزوجين، أو ضغوط العمل خاصة إذا كانت الزوجة موظفة، حيث تلعب الأمومة والأبوة دوراً محورياً، قد يشعر أحد الطرفين بعبء أكبر من الآخر، وهذه المرحلة تحتاج إلى تعزيز مبدأ الشراكة، وتقدير الجهد المبذول من كلا الطرفين، وعدم تحويل الخلافات إلى صراعات أمام الأولاد، حفاظاً على الاستقرار والأمان النفسي للأسرة، كما أن الخلافات في المراحل المتقدمة من الزواج مع مرور السنوات، قد تظهر خلافات من نوع مختلف، مثل: الشعور بالفتور العاطفي، أو الروتين والرتابة، أو اختلاف الاهتمامات، وقد يمارس الصمت من قبل الزوجين أو أحدهما وهذا أخطر من الخلاف، إذ يؤدي إلى تباعد تدريجي غير محسوس وضعف التفهم والتعاطف بين الزوجين.
الحوار الزوجي
وأشار الأستاذ علي الصعيب إلى أنه من الأمور المهمة في هذه المراحل المتقدمة الوعي بأهمية تجديد الحوار الزوجي، وإحياء لغة الاهتمام خاصة الاهتمامات المشتركة، والاعتراف بالمشاعر بدل كبتها، فالعلاقة الزوجية تحتاج إلى رعاية مستمرة مهما طال عمرها، مبيناً أن الخلافات الزوجية ليست مؤشراً على فشل الزواج، بل انعكاس طبيعي لتغير المراحل والظروف التي تمر بها العلاقة الزوجية، والوعي بكيفية إدارتها هو ما يحدد إن كانت ستقرب الزوجين أو تنفرهما من بعض، كما أن العلاقة الزوجية الناجحة ليست تلك الخالية من الخلاف، بل تلك التي تُدار فيها الخلافات بحكمة، وتحفظ فيها المودة والرحمة والاحترام، وتُبنى فيها الأسرة على أسس من التفاهم والشراكة.