د. عيسى محمد العميري
حين تتكرر المواقف، ندرك أن التاريخ لا ينسى، بل يعيد نفسه بصور مختلفة وأشخاص جدد. وما نشهده اليوم من بعض ردود الفعل تجاه ما تتعرض له دول الخليج العربي من تهديدات واعتداءات إيرانية، يعيد إلى الأذهان صفحات مؤلمة من الماضي، حين اختلطت المواقف وتاهت البوصلة لدى البعض، فاختاروا الوقوف في خانة الشماتة بدل التضامن.
والمؤسف أن هناك من قابل هذه التهديدات بنوع من الرضا أو التأييد الضمني، وكأن أمن دول الخليج واستقرارها أمر ثانوي لا يستحق الوقوف معه.
لقد أعمى الحقد قلوب هؤلاء، فلم يعودوا يرون إلا الكراهية، متناسين أن دول الخليج لا ذنب لها في الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا من قريب ولا من بعيد.
هذه حقيقة ثابتة لا تقبل التأويل أو التحريف. كما إن تبعات هذه الحرب لم تأتِ إلا بحكم الموقع الجغرافي لدول الخليج، التي وجدت نفسها في قلب التوترات الإقليمية بحكم قربها من بؤر الصراع، لا بسبب تورطها فيه. ومع ذلك، يدفع الأبرياء من شعوبها الثمن، حيث يعيش المدنيون تحت وطأة التهديد والتخويف، ويواجهون القلق على أمنهم ومستقبلهم، بل وحتى على مصدر رزقهم ولقمة عيشهم، في ظل التهديدات التي تطال الممرات الحيوية ومصادر الاقتصاد.
وهنا يبرز السؤال الإنساني قبل السياسي: ما ذنب المدنيين في دول الخليج العربي؟ وما الذي اقترفوه ليكونوا هدفاً للترويع؟ إن استهداف الاستقرار الاقتصادي وتهديد مصادر الرزق، يمس كل بيت وكل أسرة، وهو أمر لا يمكن تبريره بأي منطق أو قبوله تحت أي ذريعة. كما أن الأكثر إيلاماً أن بعض الأصوات الشامتة تنتمي إلى محيط عربي لطالما وقفت معه دول الخليج وقفة صادقة، حيث قدمت المليارات دعماً ومساندة في مختلف الأزمات، دون منّة أو انتظار مقابل.
هذه الدول لم تقصر يوماً في واجبها تجاه أشقائها، بل كانت دائماً سنداً وعوناً، سواء في أوقات السلم أو الشدة. ومع ذلك، نجد من يتناسى كل ذلك، ويقابل المعروف بالجحود. ولعل ما حدث في حرب الخليج الثانية، حين تعرضت دولة الكويت للغزو في التسعينات، خير دليل على أن التاريخ يعيد نفسه. يومها أيضاً، انقسمت المواقف، وظهرت أصوات تبرر العدوان أو تلتزم الصمت، بينما كانت الحقيقة واضحة: دولة تتعرض لاعتداء سافر. واليوم، تتكرر المشاهد ذاتها، وإن اختلفت التفاصيل. إن دروس التاريخ واضحة لمن أراد أن يعتبر.
فالمواقف لا تُقاس بلحظتها، بل بما تتركه من أثر في الذاكرة. ومن يختار الشماتة اليوم، قد يجد نفسه غداً في موقع يحتاج فيه إلى من يقف معه.
أما دول الخليج، فستبقى كما عهدها الجميع، ثابتة في مواقفها، متمسكة بقيمها، لا تنحدر إلى درك الشماتة، مهما اشتدت الظروف. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي