منيرة أحمد الغامدي
في كل عصر يعرف الإنسان نفسه من خلال الأدوات التي ابتكرها. لكن الذكاء الاصطناعي ليس أداة عادية فهو لا يسهّل العمل فحسب بل يقترب من منطقة ظنّ الإنسان طويلًا أنها تخصه وحده مثل التفكير والتحليل والتوقع وحتى إدارة الحوار أحيانا والدخول في مسابقات رياضية وغيرها.
ومع كل خطوة تتقدم فيها الآلة لا يتقلص دور الإنسان بل تتغير زاوية النظر إلى دوره. لم يعد السؤال هو ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل ما الذي يميز الإنسان حين تصبح بعض قدراته قابلة للتنفيذ برمجيًا.
لفترة طويلة ارتبط التفوق بامتلاك المعرفة والقدرة على معالجتها بسرعة، وكان الذكاء يُقاس بكمية ما نعرفه وبقدرتنا على الوصول إلى الإجابات الصحيحة في وقت أقصر.
اليوم وحين أصبحت المعلومات متاحة بضغطة زر بدأ نوع آخر من القدرات يبرز بهدوء كفهم فهم السياق وإدراك الفروق الدقيقة بين الناس والانتباه لما لا يظهر في البيانات، وهنا يتقدم الذكاء العاطفي ليكون شريكًا أساسيًا للعقل التحليلي لا بديلاً عنه.
الذكاء الاصطناعي يختصر الطريق إلى النتائج ويمنح الإنسان وقتًا لم يكن متاحًا سابقًا، لكن الوقت الإضافي يطرح سؤالًا مختلفًا الا وهو كيف نستخدم هذه المساحة الجديدة؟ حين تقل المهام المتكررة وتصبح القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار والتعامل مع الآخرين مهارات لا يمكن الاستغناء عنها، فالتقنية قد تقدم الخيارات لكنها لا تختار اتجاه الحياة نيابة عن الإنسان.
ومع اتساع حضور الأنظمة الذكية في العمل والتعليم يتغير تعريف الكفاءة، اذ لم تعد مرتبطة فقط بالدقة والسرعة، بل بقدرة الإنسان على التواصل وعلى فهم احتياجات الآخرين وعلى بناء بيئة يتعاون فيها الناس بدل أن يتنافسوا فقط. المهارات التي كانت توصف يومًا بأنها “ناعمة” قد تصبح الأكثر تأثيرًا في عالم تستطيع فيه الآلة تنفيذ كثير من المهام التقنية بكفاءة عالية.
الإبداع بدوره قد يمر بمرحلة إعادة تعريف، فالآلة قادرة على إنتاج نصوص وصور بسرعة مذهلة، لكن التجربة الإنسانية تبقى المصدر الأعمق لأي فكرة أصيلة. فالإبداع لا يقوم على المعلومات فقط بل على الذاكرة الشخصية وعلى التفاعل مع الواقع وعلى المشاعر التي تشكّل طريقة الإنسان في التعبير.
قد تساعد التقنية في تسريع العملية لكنها لا تختبر التجربة كما يفعل الإنسان.
العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والذكاء العاطفي لا تبدو صراعًا بقدر ما هي محاولة لتحقيق توازن جديد، وكلما تطورت الأنظمة الذكية ازدادت الحاجة إلى بشر أكثر وعيًا وأكثر قدرة على فهم بعضهم البعض. القرارات التي تُبنى على البيانات تحتاج أيضًا إلى حس إنساني يوجّهها وإلى إدراك لتأثيرها على حياة الناس لا على الأرقام فقط.
ربما لن يكون السؤال في السنوات القادمة من يمتلك معرفة أكبر، بل من يمتلك قدرة أعمق على التعامل مع التعقيد الإنساني. فحين تفكر الآلة لا يفقد الإنسان قيمته بل تتضح خصوصيته في أشياء لا يمكن تحويلها إلى خوارزمية كالتعاطف والحكمة والقدرة على رؤية الإنسان الآخر بصفته لا كمدخل في قاعدة بيانات.
وفي عالم يتسارع فيه كل شيء قد تصبح المحافظة على هذا الجانب الإنساني هي التحدي الأهم ومن المؤكد اننا نحتاج الى تنميته والمحافظة عليه. لا يمكن القول إن أحدهما أهم بشكل مطلق لأنهما يخدمان غرضين مختلفين في حياة الإنسان.
الذكاء الاصطناعي قوي عندما يتعلق الأمر بالسرعة وبالدقة وبالتعامل مع كم هائل من المعلومات دون تعب أو تشتت. أما الذكاء العاطفي فيظهر عندما تكون المسألة مرتبطة بالبشر أنفسهم لنفهم القلق غير المعلن وتهدئة التوتر وبناء الثقة واتخاذ قرارات تراعي أثرها على الناس لا على النتائج فقط.
لو اضطررنا للمقارنة يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يوسّع قدرة الإنسان على الإنجاز، بينما الذكاء العاطفي يحدد كيف نستخدم هذا الإنجاز في حياتنا ومع الآخرين. قد تساعدنا التقنية على الوصول إلى أفضل خيار نظريًا لكن الإنسان هو من يقرر إن كان هذا الخيار مناسبًا في ظرف معيّن أو قاسيًا أكثر مما ينبغي أو يحتاج إلى تدرّج وتفهّم. في النهاية قد تقوم الآلة باقتراح الحلول لكن الإنسان يظل مسؤولًا عن طريقة تطبيقها وعن أثرها على حياة بشر آخرين.