عمرو أبوالعطا
في العصر الرقمي الراهن، لم تعد التكنولوجيا مجرد بنية خادمة للإنسان أو وسيط محايد بينه وبين العالم، بل تحولت إلى قوة مهيمنة تعيد تشكيل أنماط الوعي، وحدود الفعل، ومفاهيم الحقيقة ذاتها. إننا نعيش لحظة تاريخية تتقاطع فيها السرعة التقنية مع هشاشة السياسة، ويتراجع فيها دور الدولة بوصفها ضابطًا للإيقاع الاجتماعي، لصالح كيانات اقتصادية عابرة للحدود، تتخذ من الابتكار ذريعة ومن الخوارزمية أداة للهيمنة. في هذا السياق المشحون، تبرز شركات التكنولوجيا الكبرى، ولا سيما تلك المتمركزة في وادي السيليكون، بوصفها فاعلًا مركزيًا لا يكتفي بإنتاج الأدوات، بل يصوغ الشروط التي تُستخدم ضمنها هذه الأدوات، ويحدد ما يُرى وما يُخفى، وما يُضخَّم وما يُهمَّش، وما يُعد حقيقة وما يُوسَم بالهامش أو الخطأ.
من هنا تأتي أهمية كتاب Taming Silicon Valley: How We Can Ensure That AI Works for Us، الذي لا يقدّم نفسه بوصفه تحليلًا تقنيًا محدود النطاق، بل باعتباره تدخلًا سياسيًا وأخلاقيًا مباشرًا في قلب هذا التحول العميق.
فالكتاب لا يناقش الذكاء الاصطناعي باعتباره ابتكارًا هندسيًا فحسب، بل بوصفه قوة اجتماعية-اقتصادية تتشابك مع منطق السوق، وتعيد رسم العلاقة بين الإنسان والمعرفة والسلطة. إن غاري ماركوس لا يكتب من موقع المراقب البعيد، بل من داخل الحقل العلمي ذاته، مستندًا إلى خبرة طويلة في علوم الإدراك، وإلى تاريخ ممتد من نقد المبالغة في قدرات الأنظمة الإحصائية التي يُسوَّق لها اليوم على أنها ذكاء مكتمل.
يمثل Gary Marcus حالة خاصة في الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي، لأنه لا ينتمي إلى معسكر الرافضين للتكنولوجيا، ولا إلى جوقة المهللين لها، بل يقف في منطقة نقدية وسطى، تنطلق من سؤال معرفي صارم: ماذا يعني أن نفهم؟ ومتى يمكن القول إن النظام «يعرف» أو «يدرك»؟ منذ أعماله المبكرة حول اكتساب اللغة لدى الأطفال، كان ماركوس يشدد على الفارق الجوهري بين المحاكاة والفهم، وبين التكرار الإحصائي وبناء النماذج العقلية. هذا الفارق، الذي بدا في السابق نقاشًا نظريًا داخل المختبرات، أصبح اليوم مسألة عامة تمس حياة الملايين، مع انتشار نماذج اللغة الكبيرة في الإعلام، والتعليم، والقضاء، والطب، والسياسة.
يرتكز نقد ماركوس على تفكيك الوهم المركزي الذي يقوم عليه الخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي، وهو وهم الخلط بين الطلاقة اللغوية والفهم الحقيقي. فالأنظمة الحالية قادرة على إنتاج نصوص متماسكة ظاهريًا، وصور شديدة الإقناع، لأنها تتقن التنبؤ الإحصائي بما يلي، لا لأنها تمتلك إدراكًا سببيًا للعالم. إنها تعمل داخل ما يشبه «السطح اللغوي» للواقع، دون أن تنفذ إلى بنيته العميقة. ومن هنا تنشأ ظاهرة «الهلوسة»، حيث ينتج النظام معلومات خاطئة أو مختلقة بثقة كاملة، لا يملك أي آلية داخلية لمراجعتها أو الشك فيها. هذه الظاهرة ليست عيبًا تقنيًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لفلسفة تصميم تفضّل التوسّع السريع على السلامة المعرفية.
غير أن خطورة هذا القصور لا تكمن في الخطأ ذاته، بل في السياق الذي يُنشر فيه. فحين تُدمج أنظمة تفتقر إلى الفهم المنطقي في مجالات حساسة، يصبح الخطأ مضاعف الأثر، ويتحوّل من زلة تقنية إلى خطر اجتماعي. يشير ماركوس إلى أمثلة متعددة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في السياقات القانونية والطبية، حيث أدى الاعتماد غير النقدي على مخرجات هذه الأنظمة إلى تضليل، وإلى قرارات خاطئة، وإلى تهديد مباشر لسلامة الأفراد. هنا يتضح أن المشكلة ليست في «سوء الاستخدام» فقط، بل في بنية النظام نفسه، وفي الاستعجال غير المسؤول في تعميمه.
لكن ماركوس لا يتوقف عند حدود التشخيص التقني، ويربط هذا القصور المعرفي ببنية اقتصادية-سياسية أوسع، تحكمها شهية الربح ومنطق الهيمنة. يصف ما يسميه «الانحدار الأخلاقي» لوادي السيليكون، حيث تحولت شعارات «فعل الخير» و»ربط العالم» إلى واجهات خطابية تخفي خلفها نموذجًا رأسماليًا متوحشًا، يرى في البيانات موردًا خامًا، وفي المستخدم مادة قابلة للاستخراج. في هذا النموذج، لا تُقاس قيمة الحقيقة بمدى صدقها، بل بقدرتها على جذب الانتباه، ولا يُكافأ المحتوى الأكثر دقة، بل الأكثر إثارة.
يتقاطع هذا التحليل مع ما طرحته قراءات عربية للكتاب، ولا سيما مفهوم «التقنية الفاشية»، الذي يصف نمطًا جديدًا من السيطرة لا يعتمد على القمع المباشر، بل على إدارة الإدراك، وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل الواقع الرمزي عبر الخوارزميات. في هذا الإطار، لا تعود الحقيقة نتاجًا لعملية معرفية جماعية، بل مخرجات تُصاغ داخل مختبرات، وتُفلتر وفق أولويات السوق، وتُضخَّم أو تُهمَّش بحسب منطق الربح. هنا تُستبدل الخبرة الإنسانية المتراكمة بنماذج احتمالية، ويُعاد تعريف المعرفة بوصفها سلعة قابلة للتوليد الآلي.
سياسيًا، يوجّه ماركوس نقدًا حادًا إلى علاقة وادي السيليكون بواشنطن، معتبرًا أن ما يحدث هو شكل واضح من «الاستيلاء التنظيمي»، حيث تفشل الدولة في أداء دورها الرقابي، وتتحول إلى طرف ضعيف أمام نفوذ الشركات. الاجتماعات المغلقة، والاعتماد على التنفيذيين بوصفهم «خبراء»، وتهميش الأصوات العلمية المستقلة، كلها عوامل تؤدي إلى إنتاج سياسات متراخية، تفضّل «التنظيم الذاتي» الذي أثبت فشله في تجارب سابقة، ولا سيما في مجال وسائل التواصل الاجتماعي.
في مواجهة هذا المشهد القاتم، يقدّم ماركوس ما يمكن وصفه بخارطة طريق عملية، لا تدّعي الكمال، لكنها تسعى إلى إعادة التوازن بين الابتكار والمساءلة. يدعو إلى حقوق صارمة للبيانات، تُعيد للمستخدم ملكيته لمعلوماته، وإلى هيئات رقابية مستقلة متعددة التخصصات، قادرة على التدقيق والمحاسبة. كما يشدد على ضرورة تحميل الشركات مسؤولية قانونية عن مخرجات أنظمتها، بدل السماح لها بالاحتماء خلف تعقيد الخوارزميات. ويؤكد أهمية الشفافية المعقولة في بيانات التدريب، ودعم البحث العلمي المستقل غير الخاضع لمنطق السوق، والتنسيق الدولي في حوكمة الذكاء الاصطناعي، باعتباره ظاهرة عابرة للحدود.
غير أن البعد الأعمق في أطروحة ماركوس يتجاوز السياسات التفصيلية ليصل إلى سؤال فلسفي جوهري؛ أي نوع من التقدم نريد؟ هل هو تقدم يقاس بسرعة المعالجة وحجم البيانات، أم تقدم يُقاس بقدرته على توسيع أفق العدالة والمعرفة والحرية؟ في هذا السؤال، يلتقي النقد التقني بالنقد الوجودي، وتصبح الفلسفة ضرورة لا غنى عنها، لأنها الإطار الوحيد القادر على مساءلة القيم التي تُبنى عليها هذه المنظومات.
لا يقدّم الكتاب إجابات نهائية، لكنه يفتح أفقًا للنقاش والعمل. يصرّ ماركوس على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس قدرًا محتومًا، هو مباشرة لخيارات سياسية ومجتمعية تُتخذ اليوم. إن ترويض وادي السيليكون، في هذا المعنى، ليس مهمة تقنية فحسب، بل معركة ثقافية وأخلاقية تتطلب وعيًا عامًا، وضغطًا مجتمعيًا، واستعادة للسياسة من قبضة السوق، وللمعرفة من هيمنة الخوارزمية. وفي هذا الأفق المفتوح، يبقى السؤال؛ هل نمتلك الشجاعة الكافية لنفرض على التكنولوجيا أن تعمل لصالح الإنسان، لا العكس؟