صالح الشادي
الحديث عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل يتطلب تجاوز السطحية التي تختزل هذه العلاقة في مجرد تحالف استراتيجي بين حليفين، أو في تأثير الجالية اليهودية في واشنطن. الحقيقة أنها أكثر تعقيداً وأعمق جذوراً، فهي تتعلق بنقل مشروع متكامل، هو نقل مشروع لمركز ثقله من القارة الأوروبية إلى قلب الإمبراطورية الأمريكية، حيث تمكن من التشابك مع نسيج الدولة ذاتها على مستويات متعددة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين المصالح الأمريكية كما تُعرَّف في أروقة القرار، وبين المصالح الإسرائيلية كما تُصاغ في مؤسساتها.
هذا المشروع لم يبدأ مع قيام إسرائيل عام 1948، بل سبق ذلك بأزمنة من التخطيط وبناء المؤسسات، بوصفها أيديولوجيا سياسية واقتصادية، استطاعت أن تنسج شبكة من المصالح والتحالفات مع النخب الحاكمة في الغرب، بدءاً من الإمبراطورية البريطانية حيث نضجت الفكرة، مروراً بالعائلات المالية الكبرى التي كانت تدير شؤون الاقتصاد العالمي، وصولاً إلى الولايات المتحدة التي وجدت فيها بيئة خصبة للتوسع. لم يكن الانتقال إلى أمريكا مجرد تغيير موقع جغرافي، بل كان اندماجاً عضوياً في بنية الدولة الحديثة، حيث تم توظيف أدوات القوة الناعمة والصلبة في آن.
في واشنطن، تجاوز تأثير هذا المشروع فكرة «اللوبي» التقليدية، ليصبح بنية تحتية من مراكز الأبحاث، والمؤسسات المالية، وبيوت الخبرة الاستراتيجية، التي تنتج الرؤى والسياسات التي تُصاغ على شكل قرارات رسمية.
هناك عشرات بل مئات من العقول في مجالات الاقتصاد والتاريخ والقانون والإعلام، لا تعمل كأفراد منفصلين، بل كحالة متكاملة تدرك أهدافها البعيدة المدى. هذه الحالة هي التي تتحكم في تفاصيل السياسة الأمريكية، من أدق القضايا التشريعية في الكونغرس إلى أكبر ملفات الأمن القومي، وكثيراً ما يُعاد صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بما يتوافق مع متطلبات الأمن الاستراتيجي لإسرائيل، وكأن الحدود بين الدولتين أصبحت حدوداً إدارية داخل كيان واحد.
ولعل ما يعزز هذا التشابك هو البعد الاقتصادي الذي يمتد عبر مؤسسات كبرى تتجاوز حدود الدولة. فبعض العائلات المالية التي وضعت اللبنات الأولى للنظام المصرفي العالمي، كانت في صميم بناء هذا المشروع، واستمر تأثيرها في توجيه تدفقات رأس المال والسياسات النقدية الدولية بما يخدم المصالح الجغرافية السياسية للكيان. هذا الثقل الاقتصادي لم يقتصر على الداخل الأمريكي، بل امتد ليشمل أوروبا، ثم انطلق نحو آسيا وإفريقيا، ليس كاستثمارات عابرة، بل كامتداد لشبكة نفوذ تسعى لتأمين مواقعها في أي تحول جيوسياسي كبير.
هذا الفكر الذي يدير هذه الشبكة الواسعة، يختلف في جوهره عن اليهودية كممارسة دينية. فهو لا ينظر إلى العالم من خلال عدسة العقيدة الروحية، بل من خلال منظومة سياسية تؤمن بأن السيطرة على مفاصل الحضارة - الإعلام، الاقتصاد، صياغة التاريخ، والتقنية - هي الطريق لضمان الهيمنة. وهو ما يفسر لماذا نجد أن هذه المؤسسات تعمل في تناغم تام في مجالات تبدو بعيدة عن السياسة المباشرة، مثل صناعة الأفلام، ودور النشر، والجامعات الكبرى، فهي كلها أدوات لتشكيل الوعي العام وتوجيهه.
القلق الوجودي الذي تعيشه إسرائيل ليس مجرد شعور بالأمان أمام التهديدات العسكرية، بل هو قلق من أي تغيير في المعادلة الإقليمية قد يكشف حدود هذه القوة التي تبدو مطلقة. فوجودها كـ»ثقل أمريكي» في الشرق الأوسط يعني أنها لا تستطيع فصل مصيرها عن استمرار الهيمنة الأمريكية الشاملة على المنطقة. وأي اختراق لهذه الهيمنة، سواء من خلال قوى إقليمية صاعدة، أو من خلال تحولات في السياسة الأمريكية نفسها نحو الانكفاء، يُنظر إليه على أنه تهديد لوجودها.
في خضم هذا المشهد، تتشابك الخيوط لدرجة أن الحرب الحالية تبدو وكأنها معركة وجودية ليس للكيان وحده، بل لهذا النظام المتكامل من المصالح الذي يمتد من وول ستريت إلى الكابيتول هيل، ومن مراكز الأبحاث في تل أبيب إلى غرف العمليات العسكرية في البنتاغون.
إنها اللحظة التي تظهر فيها كل هذه الأبعاد - الاقتصادية، السياسية، الجيوسياسية، والإعلامية - في صراع مكشوف، حيث لم تعد القدرة على الإقناع أو التغطية الإعلامية كافية وحدها، بل صارت الحاجة ملحة إلى استخدام القوة المباشرة لإعادة التوازن في المنطقة وفق الرؤية التي صُممت منذ قرن كامل. هذا هو السياق الحقيقي الذي يجعل من الحرب على إيران معركة أمريكية إسرائيلية بامتياز، حتى لو اختلفت التكتيكات أو تفاوتت وتيرة التصعيد.