في زمن تحولت فيه أيقونات التطبيقات إلى لوحات مفاتيح للقيادة، وصرنا نقيّم أداء القادة بعدد ظهورهم لا بعدد إنجازاتهم، أستُحدث جيل جديد من المديرين يمكن تسميتهم بـ«قيادات إكس». هؤلاء الذين أتقنوا فن الظهور قبل الإنجاز، وأدركوا مبكراً أن الأهم هو أن يراك الناس مشغولاً، لا أن تكون مشغولاً بالفعل.
لو فعّلت إشعار متابعة لأحد هؤلاء القادة على منصة «إكس» لرأيت عجباً. سلسلة متواصلة من الإعجابات وإعادة التغريد التي لا تهدأ، تركز بشكل أساسي على ما ينشره قسم التواصل والإعلام. صور الاستقبالات، تغريدات الاحتفالات، لقطات المصافحات، كلها تحظى باهتمام يفوق أي تقرير استراتيجي أو دراسة جدوى. لا تكاد تخلو دقيقة من دوامهم الرسمي من تفاعل مع هذه المنشورات، كأن القيادة الحقيقية تكمن في عدد «الإعجابات» التي ترصدها أخبار الفريق الإعلامي.
الملفت في الأمر، بل المثير للدهشة، أن هؤلاء القادة يتحولون فجأة إلى أيقونات في الانضباط الوظيفي. يتحدثون عن الالتزام بوقت العمل، وينصبون أنفسهم حراساً على الحضور والانصراف، بينما يقضون ساعات العمل في متاهات المنصات الاجتماعية. ازدواجية المعايير هنا لا تحتاج إلى تأويل، فالقائد الذي يستسهل إضاعة وقته في تصفح «إكس» لساعات، يستصعب على موظفيه تأخيراً لا يتجاوز خمس دقائق.
هموم هؤلاء القادة لم تعد تدور حول مؤشرات الأداء الرئيسية أو تحقيق الأهداف الاستراتيجية. أصبح المعيار الجديد للنجاح «عدد مرات الظهور». كم مرة ظهرت في التغريدات؟ كم تفاعلاً حصدت صورك في الاحتفال الأخير؟ هل غطى الفريق الإعلامي زيارتك الميدانية بالشكل المطلوب؟ في المقابل، تمر التقارير الربعية دون أن ينظر إليها أحد، وتغيب الأهداف الكبرى تحت وطأة البحث عن زاوية تصوير أفضل.
مفارقة ساخرة، فمنصة «إكس» التي تختزل الأفكار في 280 حرفاً، باتت تختزل القيادة كذلك.
لم يعد يُعرف القائد بحجم إنجازه، بل بحجم ظهوره. لم يعد يقاس بجودة قراراته، بل بجودة صوره. وكأن مؤسساتنا تحولت إلى مسرح كبير، يؤدي فيه القادة أدوارهم أمام كاميرات الإعلام، بينما ينام النص الأصلي للمسرحية في أدراج النسيان.
لا أعلم إن كان هؤلاء القادة يدركون أن التاريخ لا يسجل عدد مرات الظهور، بل يسجل الإنجازات الحقيقية، وأن الموظفين يرون الفارق بين من يبحث عن الصورة ومن يبحث عن الأثر. إن منصة «إكس» وإن كانت تغري بالسطوع السريع، إلا أنها لا تصنع قادة، بل تصنع مشاهدين مميزين فقط.
ربما آن الأوان أن نسأل: هل نحن بحاجة إلى قادة يبحثون عن ظهور في «إكس»، أم إلى قادة يبحثون عن إنجاز يخلّد وينفع الوطن والمواطن؟ هل نريد مديرين شغفهم عدد الإعجابات، أم شغفهم بناء المؤسسات؟
في النهاية، تبقى منصة «إكس» أداة جميلة للتواصل، لكنها تصبح قاتلة حين تتحول إلى غاية لا وسيلة، وإلى مكتب لا منصة، وإلى معيار للقيادة لا مجرد نافذة للتعبير.
** **
- د. خالد بن سالم الحربي