عبدالعزيز صالح الصالح
مهما أقول ومهما أتحدث عن النّخلة الَّتي تعتبر سيِّدة الأشجار بلا منازع – وإن جار عليها الزّمان والهجر وحرارة الصيف وبرودة الشتاء تبقى شجرة مخضرة السّعف.. مورقة تمنح الظل للمستظل.. تعطي من ثمارها الشّي الكثير والكثير، إنها تثري بسخاء وتعطي بلا منّ وتفيض بخيراتها شجرة ظليلها، تراقصها النَّسمات، يلاطفها عليل ليلها. يسامرها هذا النّسيم حين يسكن المحيط وتهدأ الحركة الدائبة وتغفو كل عين كانت تراقبها وتلاحظها. تغدق من عطفها على الكل دون أن يحس الطرف الآخر.
بإقصاء أو انتقاص لا يضرها إساءة أحد ولا تعير اهتماماً لمن قدم لها إساءة أو جحوداً. إنها أكبر من كل مسيء. ضاربة جذورها عبر التَّاريخ لا تخشى الرّياح المتلاطمة ولا تنحني للعواطف العاتية، بل تعطي بسخاء قل مثيله. لا يرتبط هذا العطاء بتلون بشري وتقلب لون وتعدد صورة كثيرهم من تلونوا وتنكروا وبخسوا. قد مروا بجوارها ورموها بما رموها ووصفوها وانتقصوا من قدرها بفعل أو بعمل أو قد كشفوا عن وجوه تخفت وتوارت داخل غرف مغلقة. إنها شجرة تملك القدرة على التعايش مع كل الطقوس والأجواء. تتحمل كل الظروف والأحوال المناخية. هذه الشّجرة قل مثيلاتها مهما تفنن الفلاحون والمهندسون في استنبات الشبيه، أو التطعيم أو التلقيح.
بقيت شامخة رغم كل الظروف تفيض بالحب الفريد. فخورة بما تعطي سعيدة بمن يعتني بها وهم قِلَّة. رغم كل شيء لم يلاحظ أن خضرتها قد اصفرت، أو عصف بها لافح من صيف أو شتاء قارس يجرد الشجر من بهائه ونمائه وورقها كل يوم تبدو أجمل، وتتنفس من نسمات الفجر تبقى شامخة كل شجرة مثمرة ترمى بحجر وتبقى صامتة لا تشكو من سطوة الحجر، ولا يهمها من يأكل ويتسلق إنها باسمها وتحت ظلها ومن يترك مخلفاتها تحتها؛ لأن كل إناء بما فيه ينضح. إنها شجرة تملك مفاتيح لا يملكها آخرون.
القدرة على مواجهة الأمور تمنحها الثبات كي توجد فرص أكثر للبقاء. التحدي أمام كل جحافل التصحر. وسحب الماء والنماء. فريدة في قدرتها. قوية في تحملها. تسكن هنا حيث يعطيها المكان كل مقومات النماء والبقاء.
فقد واجهت كثير من الصعاب إلا أنَّها تحملت وتعثرت وعُثرت وعانت لكنها كانت أقوى من ذلك تملك مناعة قل أن توجد في مخلوق مثلها لم يعقها وجع غرس في جسدها وبقيت تتشرب مرارته، ولم يشعرها ما تعانيه بالعزلة أو الانكفاء، ولم تختبئ خلف ذاكرتها وتعيش عليها أبداً. فقد تركت كل المساحات مفتوحة ولم تتوسط الأبواب ولم تغلق كافة النوافذ. فقد اكتوت كثيراً كثيراً من بعض الإهمال وعدم العناية وحزنت كثيراً. آلمها من احتطب من مخلفاتها، فقد أوجعها من أكل من ثمرها وجازاها بحرق سعفها وجذعها، فإنها تكبر على الألم، وتنظر إلى الأمام دون أن تعير ما جرى لها اهتمامها يصرفها عن غيرها رغم ما تخفيه من حسرة وندامة؛ فقد أضاع ما حل بها الكثير من عمرها فإنها لا تؤمن بأي ردة فعل. ترى أن ماضيها العريق يغذي فيها العزيمة والإصرار والمثابرة والجلد؛ فهي لم ولن ترضخ لأفعالهم وتصرفاتهم ولا عفن المياه التي يسقونها بها، فإن كل فعل يدفع بها قدماً كي تغذ الخطى. تعطيها مناعة وتمنحها جسارة في الظل لن يستنبت نبات وتحت الشمس كل شيء يُرى. فإنها تتكئ على جمل من المعطيات تشحذ فيها كل ما هو جميل وحسن بالنسبة لها كالماء الذي يسري بداخلها، فإنها ترهف السمع لنصيحة الصحراء وتستمد من قسوتها القوة والصلابة. تطالع في الأفق الفسيح فيعطيها رؤية وروية. ترتبط في هذا المدى الواسع رغم الزوايا المعتمة والنقاط المظلمة والفضاء الكوني حولها يزرع فيها كل تفاؤل، وأمل.
صبرها يحمل كل الأسئلة وتعول على الغد بإجابات غنية عن الكثير؛ فالصبر يأتي بالفرج. سعفها لن ينفق، وجذعها لن يتوقف ثمرها، لن تذبل بسرعة ولن تجف حالاً، فإنها تؤمن تمام الإيمان بأن الزمن سينصفها، سينصفها من الآخرين قبل الأقربين الَّذين لم يعد يعرفون الحقيقة ولا يمحصون الحقائق كما يجب أن تؤمن بأن خير السَّماء سيجود بالغيث والغيث يأتي وتنمو وتزدهر، ويزدهر من حولها من الشجيرات وتكتسي الأرض الذي هي فيها بالخضرة والنماء..
عند ذلك يدرك الكل حجم الألم الذي أودعوه قلب من كان لهم القلب الحاني والمشاعر الصّادقة بلا مكر. ولا مخادعة.