عبدالعزيز محمد السعد العجلان
الحمد لله رب العالمين خالق الخلق، ومُجري الأقدار، الذي جعل الموت حقا، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ويبقى الرحيل أمرا محتوماً لكل إنسان، وراحة وسعادة لمن رزقه الله الإدراك والوعي بأن هذه الحياة قصيرة جدا والمغنم منها طاعة الرحمن، وحسن الصلة بالناس، خُلقًا وتعاملًا، وبرًّا ومعونة وإحسانًا، ومستوى أخلاقك بالتعامل معهم.
يقول الشاعر العباسي أبو العتاهية:
الموت باب وكل الناس داخله
فليت شعري بعد الموت ما الدار
الدار جنات عدن إن عملت بها
يرضي الإله وأن خالفت فالنار
هما محلان ما للناس غيرهما
فانظر لنفسك ماذا أنت تختار
رحم الله ابن العم سعد بن محمد العجلان وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ووالدينا وكل مسلم وعلى نهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول «اذكروا محاسن موتاكم»، وإن من الوفاء للراحل أن تُذكر محاسنه، ومن خلال ما سمعناه وشهدناه عنه، تتجلى لنا سيرة رجلٍ جمع بين الفطنة في العمل، والأمانة في المعاملة، والنبل في المواقف، وسأكتفي بمشهدين لهما دلالات كبيرة عن ابن العم سعد، -رحمه الله- رجل عمل في العقار بل ويعد من كبار العقاريين بالمملكة، عمل في العقار منذ الثمانينيات الهجرية أو قبلها بقليل، وعاصر عصر الطفرة العقارية الكبيرة في التسعينيات الهجرية، التي كانت فيها أسعار العقار تقفز بشكل هائل في فترات معينة من تلك الحقبة، أحيانا تقفز خلال فترات قصيرة قد تصل الى ساعات.
المشهد الأول بعنوان الأمانة لا تقدر بثمن، حيث إنه في يوم من تلك الأيام جاء رجل ممن يعرفهم سعد -رحمه الله-، وأعتقد أنه من أهل حريملاء، وقال ياسعد هاذي مليونين اشتغل فيها لي بالعقار معك، سلمه مليونين ويقال: إنه سافر بعد ذلك، سعد -رحمه الله- كان يملك عيناً ثاقبة في العقار وله صلة وتعامل مع كبار العقاريين، وذهب حينها لابن موسى (الشيخ عبد العزيز بن عبدالله الموسى -رحمه الله-، واشترى منه الأرض الواقعة في تقاطع طريق الأمير محمد بن عبد العزيز وشارع التخصصي في الزاوية الشمالية الشرقية، التي كانت فيما بعد منزلا للأمير محمد بن عبد العزيز، ومن ثم منزلا للأمير متعب بن عبد العزيز -رحمهم الله جميعا-، وهي الآن جنوب (بانوراما مول)، قال لابن موسي هاذي مليونين ثمنا للأرض، قال ابن موسى هات المليونين والباقي بعدين، واشتراها بسعر مائتين وخمسين ريالا للمتر. بعدها بكم يوم جاء مندوب الأمير محمد بن عبد العزيز (أعتقد أنه الشيخ بن دنان ومعه الخرجي -رحمهما الله-، قالا لابن موسى نبي الأرض للأمير محمد بن عبد العزيز، فرد عليهما أنني بعتها على سعد بن محمد العجلان، ووصف لهما بيته في المربع، ذهبا إلى هناك وقالا نبي الأرض للأمير محمد، وساما المتر على 500، وقال لا، قالا ألف قال لا وحد المتر 1500، قالا له لا، لأن السعر غال ومن ثم رجعا للأمير محمد وأبلغاه أنها غالية الثمن، ويقال إنه قال لهما» أنتم تدفعون شيء من جيوبكم، يالله اشتروها الآن»، فعلاً رجعا إلى سعد بن محمد -رحمه الله- وقالا خلاص نبي الأرض، قال طالما أنها للأمير إذا له بسعر1300 ريال للمتر، يعني خفض لهم 200 ريال، علماً أن الأرض لاتزال في ذلك الوقت الصك باسم ابن موسى ولم تفرغ إلى سعد بن محمد العجلان، وابن موسى فرغ للأمير مباشرة، واستلم وسلم المال الى سعد بن محمد العجلان.
بعد ذلك بأيام جاء صاحب سعد الذي أودع عنده المليونين ليعمل بها نيابةً عنه بالعقار، قال سعد بن محمد العجلان هذا ربحك يا أخي 36مليون ريال، قال أنت تمزح يا سعد؟؟ قال لا هذا حقك، قال يا سعد لا تكثر المزاح تراك حيرتني عطني الصحيح، قال هذا حلالك ومالك والذمة ذمة، هنا محطة مهمة يجب أن نقف اليوم عندها جميعا، أن المكسب الحقيقي لسعد بن محمد وابن موسى وأمثالهما هو اليوم والأمانة الأمس مكسب اليوم، هنا تتجلى حقيقة أن المكسب ليس في الأرقام، بل في الأمانة، فالأرباح تزول، لكن الأمانة تبقى أثرًا خالدًا وشهادة صدق بين الناس.
المشهد الثاني وعنوانه الوفاء سمة النبلاء، وقد حصل معي شخصيا عندما اتصلت به ذات يوم أستفسر موضوع سبق أن ذكره عن والدي- رحمه الله- محمد السعد العجلان، وأحببت أن أتأكد من ذلك، فقال الموضوع عن والدك؟ قلت نعم وأريد أن أراك اليوم أو غدا في منزلك أو في مكتبك، قال لا طالما الأمر يتعلق بالعم محمد السعد العجلان أنا أجي للبيت عندكم، وفعلا صلى معنا المغرب في مسجدنا، وأجاب عن سؤالي (والحديث بيننا تم تسجيله)، وبحضور ابنه عبدالعزيز البار وإخوانه بوالدهم- رحمه الله- ثم قال سأقول لك معلومة أخرى، يعلم الله أنني أدعو لوالدكم دوما، لأنه راعي فضل علي، فعندما قدمت إلى الرياض احتجت إلى بعض المال، ولم أجد إلا والدكم يقدم لي ذلك القرض الحسن، وقال رده على سعة يا سعد، وعندما رددته سدادا، سألني والدك أين تسكن يا سعد؟ قلت في بيت مستأجرة، قال سأمر آخذ فنجال عندك وأسلم على والدتك، وفعلا أتى إلى البيت وكان هدفه أن يرى البيت، وقال لي عندما نظر إلى البيت، اشتر البيت يا سعد، قلت ما عندي اللي يكفي، قال بيعين الله ونقص شيء مر علي، يقول ابن العم سعد: وأعانني الله واشتريته بخمسة آلاف ريال، وموقعه حول طريق الملك فهد في منطقة الديرة غرب المعيقلية، ولم يكن طريق الملك فهد موجودا في ذلك الوقت، ثم عندما فتح الشارع تم تثمين البيت بستين الف ريال، وذهبت إلى العم محمد السعد العجلان، فوجهني أن أضع هذا المال مع أحد تجار العقار وهو الشيخ العودة -رحمه الله-. قال لي ابن العم سعد -رحمه الله- حينها، يعلم الله أن والدكم وجهني وساعدني بأشياء كثيرة، وهذا لا يخصني فقط بل معظم أبناء العائلة كان لهم عونا وبابه مفتوحا للجميع.
وهنا محطة أخرى يجب أن نقف عليها لنشاهد فيها نبل ووفاء سعد بن محمد العجلان لمن أسدى له معروفا يوما ما، وكما هو معلوم، فإن الإنسان النبيل هو من يعترف بمعروف صنع له، وأشهد أن النبل أحد سماتك أيها الراحل ابن العم سعد، فالنبل ليس في أن تصنع المعروف فحسب، بل في أن تحفظه، وتعترف به، وتبقى وفيًا لأهله ما حييت.
سعد بن محمد العجلان رجل نبيل ووفي يشكر من وقف معه، وفي هذه الحياة أكاد أجزم أن أي نجاح يتحقق لأي إنسان وإن كان بمجهود فردي، وصحيح أن الفرد عليه الجزء الأعظم، لكن لابد أن هناك مساعدة بشكل أو بآخر من أحد الأقارب أو غير الأقارب، وأجزم أيضا أن العم سعد -رحمه الله-، سنسمع من آخرين يتحدثون عنه وعن مواقف معونة قدمها لهم.
أختم كلامي داعيا الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد برحمته ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ويجعل قبره روضة من رياض الجنة ووالدينا وكل مسلم، ومن فضل الله على سعد -رحمه الله- أنه ترك أعمالا خيرية عديدة ورزقه الله بأبناء صالحين فالحين، وهذا من فضل الله عليه، يدعون ويعملون أعمالا جليلة له، رحمه الله وجميع المسلمين، والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.