د. محمد بن خالد الفاضل
رحل أبوعبدالعزيز (حمد بن عبدالعزيز الجميح) -رحمه الله- عن دنيانا في ليلة السابع والعشرين من رمضان 1447هـ، وهو فرع مثمر ومغدق من شجرة دانية الثمار، وارفة الظلال، وكل فرع من فروع هذه الشجرة جدير بأن يفرد بحديث خاص، وقد أدركت من رجالها الكبار المؤسسين أربعة، وهم: عميد الأسرة محمد العبدالله، وأبناء أخيه عبدالعزيز الثلاثة: محمد وعبدالرحمن وحمد، رحمهم الله جميعاً، والشركة تحمل اسم والدهم عبدالعزيز، الذي توفي قبل سبعين عاماً تقريباً، وعمهم محمد، رحمهم الله جميعاً، وهؤلاء الأربعة الذين عرفتهم وتواصلت معهم تلقوا تربيتهم في المدرسة الجميحية، وهي مدرسة أسرية عريقة تقوم على الرجولة والسمت والتدين ومعالي الأخلاق، وفي مقدمتها الكرم والبذل والعطاء والبشاشة والتواضع وفتح القلوب والمجالس لاستقبال الناس والاحتفاء بهم، ومجلسهم العامر في قصرهم بالرياض حديث الناس، فهو مفتوح ليلياً، ويلتقي فيه محبو هذه الأسرة بمختلف طبقاتهم وشرائحهم من السعوديين وغيرهم، وأغلب من يفدون إلى المملكة من العلماء والدعاة في الخارج يزورون هذا المجلس للسلام والشكر وعرض ما لديهم من مشاريع تحتاج إلى دعم، ويجد زائره الترحيب والحفاوة والضيافة الفاخرة بحضور ورعاية هؤلاء الرجال الكرام، باستثناء الشيخ عبدالرحمن فهو مقيم في جدة وله مجلسه الخاص هناك، وأنا أشرف بأنني من رواد مجلس الرياض بين الحين والآخر، وإذا أطلت الغياب جاءني الاتصال والعتاب من الشيخ حمد، رحمه الله، وهذا الرجل يخجلك ويحرجك بحفاوته واهتمامه وسؤاله، وهذا دأبه مع رواد مجلسه وأحبابه، وكلٌّ يظن أنه يحظى بمكانة خاصة عنده، وقد قويت صلتي بالشيخ حمد رحمه الله من خلال مشاركتي في عدة مجالس وهيئات تحت رئاسته، ومنها: مجلس جائزة الجميح منذ تأسيسها قبل أكثر من عشرين عاماً إلى اليوم، ومجلس أهالي شقراء الذي تحول إلى جمعية التنمية في شقراء منذ تأسيسه قبل أكثر من عشرين عاماً إلى اليوم، وغيرها من اللقاءات والاجتماعات الطارئة، وكلها برئاسته في منزلهم العامر، وكذلك حضور حفل الجائزة السنوي في شقراء بصحبة الشيخ حمد رحمه الله، ومع الشيخين المحمدين في حياتهما رحمهما الله، كما شرفت بصحبة الشيخ حمد وتلبية دعوته لمرافقته إلى السودان في عامين متتاليين لرعاية وافتتاح عدد من المشاريع الخيرية المقامة على نفقته في مدينة الأبيّض والخرطوم، وقد شرفنا في الرحلتين باستقبال فخامة الرئيس الأسبعبدالرحمن سوار الذهب لنا في المطار ومرافقته لنا طوال الرحلة، وهو رجل فريد في تواضعه وصلاحه وأخلاقه، كما سعدنا في الرحلة الثانية بمرافقة الصديق الحبيب الحميم الدكتور إبراهيم أبوعباة، وهو يحظى بمنزلة خاصة عند الشيخ حمد وعند الشيخين المحمدين قبله رحمهم الله، وصحبتي للشيخ حمد في هذه الرحلة كشفت لي المزيد من أخلاق الشيخ وصفاته، لأن السفر -كما يقال- يسفر عن أخلاق الرجال، وإن كانت أخلاق الشيخ سافرة بل ومتبرجة قبل هذه الرحلة، ولكنه ظهر لي فيها المزيد من جوهر هذا الرجل وصفاء معدنه وصعوبة تقليده أو مجاراته رحمه الله، ولأن أغلب المشروعات الجميحية في مدينة (الأبيّض) وهي مدينة الرئيس سوار الذهب، فقد سافرنا إليها من الخرطوم بالطائرة بصحبة الرئيس، وفي الأبيّض وجدنا استقبالاً حافلاً من كبار المسؤولين وأعيان البلد، وعلى رأسهم والي شمال كردفان التي عاصمتها الأبيّض، الأستاذ أحمد هارون، وقد افتتح الشيخ حمد بصحبة الرئيس والوالي وكبار المسؤولين عدداً من المشروعات، منها مسجد ومستوصف ومركز غسيل للكلى، ومشاريع أخرى لا تحضرني، كما زار عدداً من المشروعات التي تحت التنفيذ، ومنها جامع كبير ومستشفى وغيرها وأعلن عن تبرعه بمبالغ كبيرة لإتمام هذه المشاريع، وقد أكمل الشيخ رحمه الله هذه المشاريع ومشاريع أخرى في الرحلة الثانية التي حظينا فيها بصحبة أخي إبراهيم أبوعباة والشيخ جهاد العسكر المدير التنفيذي للمؤسسة الخيرية، وكان معنا في الرحلتين سكرتير الشيخ الأستاذ أبوعبيدة عبدالرزاق الإبراهيم، وهو (دينمو) الرحلتين سلمه الله، وحتى لا أطيل أود تذكير أبناء هذا الجيل من شباب شقراء وغيرهم بمآثر هذه الأسرة الكريمة في شقراء وفي غيرها من مدن المملكة، فهم جديرون بالثناء والدعاء والترحم على من مات منهم، ومن أقدم مشاريعهم في شقراء مشروع تفطير الصائمين وقد بدأ صغيراً عندما بنوا منزلهم الجديد -في حينه- عام 1286هـ، قبل أكثر من 150 سنة، واشتهر المشروع وعرفه الناس قبل 130 سنة تقريباً حسب رواية مدير المشروع الحالي عبدالعزيز البخيتي عن الشيخ حمد «رحمه الله» شخصياً، وقد أدركت المشروع عندما كبر وصار حديثا..