أحمد بن محمد الغامدي
انقضت أيام العيد، وهدأت التهاني، وعاد الناس إلى تفاصيل حياتهم، لكنني ما زلتُ واقفاً عند تلك العتبة الحزينة، ففي هذا العام، لم يكن العيد كما تعودناه «عيدًا»؛ ولم يكن صباحه مشرقًا مثل كل عام، جاءت أيامه بلا ملامح.. وانقضى غريباً، ثقيلًا.. وباهتاً.
مرّ العيد وأنا أبحث عن وجه أمي الحبيبة «فاطمة»، وأتحسس مكان أخي «سعد»، لترتطم روحي بحقيقة الفقدان المر، لقد رحلا عن دنيانا قبل شهور، ورحل معهما طعم العيد.
كيف يطيب العيد وقد انطفأ النور الذي كان يملأ أركان أيامنا؟ وكيف يستقيم حال البيت وقد غادرته الحبيبة «فاطمة»، وأخي الأكبر وعميد أسرتنا «سعد» في غضون 60 يوماً فقط؟ فاجعتان كانتا كفيلتين بأن تجعل من أيام الفرح مجرد تواريخ باهتة على التقويم.
كان لنا دستورنا الخاص في كل عيد.. نتسابق إلى منزل أمي الحبيبه قبل خيط الفجر؛ ذلك المنزل الذي لم يكن مجرد جدران، بل كان محطة للتزود بالفرح والسكينة، كانت أمي تنتظرنا بوقارها المهيب، تمسح على رؤوسنا، وتعطرنا بـ«الطيب» الذي لا يشبهه عطر، تطعمنا «التمر» بيدها المباركة، تهندمنا وتعدل «اشمغتنا وبشوتنا» ..
وكأننا ما زلنا أطفالها الصغار، ثم تُحصننا بآيات الله ودعواتها التي تسبقنا إلى الصلاة، افتقدنا هذا العام حنانها العفوي، ولمساتها التي كانت تنقذنا من هموم الدنيا.
أمي امرأة لا يجود الزمن بمثلها.. شخصية لا تتكرر كثيرًا؛ قوية في الحق، رحيمة في الشدة، رحلت وتركت خلفها إرثاً عظيماً من الحكمة والكرم، واكتشفنا بعد رحيلها بيوتاً وأيتاماً كانت تمدهم بيمينها في خفاء تام، كانت توصينا دائماً: «كونوا لبعضكم سنداً، لا تفرقكم الدنيا».
اختار أخي سعد أن يسبقها إلى دار الحق، رحل «حمامة المسجد» بعد أن كان صوته في الأذان يمنحنا الطمأنينة، رحل بقلبه الكبير الذي أحب الجميع، افتقدنا وقفته المهيبة في صدر المجلس أيام العيد، وافتقدنا حرصه على أدق تفاصيل حياتنا، ليتحول العيد إلى ذكرى موجعة لغياب «المربع الأول» في حياتنا.
اليوم، وبعد مرور أيام العيد، أقف على أعتاب الذكريات، أشم رائحة عطر أمي في زوايا البيت المهجور من ضحكتها، وأسمع صدى صوت أخي سعد في جنبات المسجد، لا أملك لهما إلا الدعاء، بأن يجعل الله قبريهما روضة من رياض الجنة.
علمتنا أمي أن «البركة» في العطاء، وأوصانا سعد بأن «العز» في التلاحم، غابا بجسديهما، لكن روحهما الطاهرة ما زالت ترفرف في جنبات البيت، وصوت دعائهما يتردد في الذاكرة، ولا نملك ـ أمام قضاء الله وقدره إلا الوفاء بالعهد، وحمل أمانة الخير التي بدأوها..
رحمكما الله رحمة واسعة، وجعل عيدكما في الجنة أجمل، وألحقنا بكما في دار كرامته مؤمنين صابرين.