د.عيد بن حجيج الفايدي
الأمن في كل عصر هو مطلب وضرورة وحاجة ماسة للإنسان، والصحراءٍ في العصر الجاهلي كانت تُخفي العدوَّ خلف كثيب، ويبقى الإنسان هو الإنسان كائنًا يبحث عن موضعٍ يضع فيه قلبه مطمئنًا.
غير أنّ الفرق، كلّ الفرق، أن عنترة بن شداد كان إذا نظر أبصر عدوَّه؛ أمّا في عصر الذكاء الاصطناعي، فتنظر طويلًا... ولا ترى شيئًا، وإذا سمعت طنينا أدركت أن الفرصة فاتت.. والخوف لا يبدأ من حافة السيف، بل من أعماق الجهاز الذي تمت برمجته. لا يُعلن عن نفسه بصهيلٍ يُفزع، بل بطنينٍ خافتٍ لا تلتقطه الأذن، ولا تعيه إلا حواسّ تعلّمت قراءة الصمت كما تُقرأ النصوص.
في زمن الجاهلية، كانت الرمال تمتدّ كأنّها صمتٌ أزليّ، وكانت النجوم وحدها تُحسن قراءة الطريق. وقف عنترة قابضًا على سيفه؛ لا يحرُس جسدَه بقدر ما يحرُس يقظتَه. لم يكن يخشى ذئبًا يعوي، ولا خصمًا يتربّص، بل كان يخاف شيئًا أدقّ: أن يطمئنّ في غير موضع الطمأنينة، فيغدر به الزمن قبل أن يغدر به العدو.
كان الأمن، في تلك العصور، حقيقةً تُمسك باليد، لا فكرةً تُتصوّر في الذهن؛ يُصاغ من حديد، ويُحرس بالدم، ويُقاس بقدرة الرجل على أن يظلّ قائمًا في وجه الريح. وكان الخوف، على قسوته، واضح المعالم: عدوٌّ يُرى، وسيفٌ يُشهر، وغارةٌ تُباغت.
ومع ذلك، كانت لتلك القسوة قانونٌ فطريّ سابقٌ للقوانين؛ فلم يكن الجار يُغدر، ولا العهد يُنقض إلا نادرًا. إذ كانت الفطرة -على خشونتها- أصدق من كثيرٍ من الحضارات التي جاءت بعدها.
ثم دار الزمن دورته، وتحوّل العالم من صحراء تُحدّدها الخطى إلى فضاءٍ تُحدّده الإشارات. لم تعد السيوف تُصنع من الحديد، بل من خيوطٍ خفيّة تسري في الأعصاب الإلكترونية للعالم. لم يعد الخوف صهيلًا يُسمع، بل همسًا يُتلقّى؛ ولا عدوانًا يُرى، بل اختراق يُدرَك بعد وقوعه.
أضحى الإنسان، في هذا العصر، أكثر علمًا وأشدّ قلقًا؛ فقد عرف من أدوات الحماية ما لم يعرفه الأوّلون، لكنه فقد بساطة الاطمئنان التي كانوا يملكونها. صار يحمل أمنه في جهازٍ صغير، ويظنّه حصنًا، وهو -في حقيقته- بابٌ آخر يُفتح عليه.
خوف اليوم من نوعٍ آخر؛ أعمق وأشدّ غموضًا. لم يعد العدو محسوسًا أو ملموسًا، بل صار احتمالًا متحرّكًا يتنقّل في فضاءاتٍ لا تُرى. تخافه لأنك لا تراه، ولا تملك له اسمًا، ولا تعرف له وجهًا تستقبله به.
نعم، تبدّلت الحرب، وتبدّل معها معنى القوّة؛ فلم يعد النصر صليل سيوف، بل صمت أنظمة تعمل في الخفاء. ولم يعد الهجوم زحفًا على الأرض، بل إشارةً تنطلق من مكانٍ مجهول، فتُصيب هدفها دون أن تترك أثرًا يُرى.
هي حربٌ لا تُعلن، وسلامٌ لا يُطمأن إليه، وعالمٌ يعيش بين حالتين: يقظةٍ لا تهدأ، وقلقٍ لا يُفصح عن نفسه.
ثم إنّ هذا الوجع لم يبقَ في موضعه، بل أخذ يمتدّ كقطرة زيتٍ على ماءٍ ساكن؛ فما لبثت أن اتّسعت حتى غطّت سطحه. بدأ من أرضٍ كانت مهدًا للحضارات، ثم تجاوز الحدود، وعبر البحار، واستقرّ في النفوس قبل أن يستقرّ في أهدافه.
لم يعد أمن بلدٍ شأنًا خاصًا به، بل صار خيطًا في نسيجٍ عالمي؛ إذا انقطع طرفه، اضطرب النسيج كلّه. فلا الشرق بمنأى عن الغرب، ولا القريب آمنٌ مما يحدث في أقصى البعيد. لقد أصبح الإنسان يرى الخطر قبل أن يقع، ويعيشه قبل أن يصل إليه، ويخشاه قبل أن يعرفه.
وفي خضمّ هذا التعقيد، تبرز حقيقةٌ قديمة: أن أمن الجار من أمن الدار، وأنّ العهد - مهما تغيّرت الأزمنة - لا يزال ميزانًا تُوزن به الأمم. فلا استقرار مع خوفٍ متبادل، ولا سلام مع ريبةٍ مستحكمة، ولا طمأنينة مع غياب الثقة.
إنّ المصالحة ليست ضعفًا، بل حكمة؛ والصمت - حين يكون وعيًا - قوةٌ تُدرك أن الصراع إذا طال، أكل أصحابه قبل خصومهم.
ولعلّ السؤال الذي لم يتغيّر، منذ وقف عنترة على كثيبه، إلى أن وقف الإنسان اليوم أمام شاشته، هو: كيف نأمن؟
ليس الجواب في السيف وحده، ولا في التقنية وحدها، بل في شيء أعمق: في قدرة الإنسان على أن يُقيم عالمه على العدل لا على الغلبة، وعلى الوفاء لا على الخديعة، وعلى السلم لا على التربّص.
لم يكن عنترة شجاعًا لأنه لا يخاف، بل لأنه عرف كيف يسمّي خوفه. أمّا الآن ففي زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتضيع فيه المعاني، صار الخوف بلا اسم؛ يدخل مع النوافذ الرقمية، ويتسرّب عبر الأبواب الإلكترونية، ويحمل في تفاصيله أوامر مبرجة للتنفيذ.
كأنّنا في صحراء جديدة؛ لكنّ رمالها من ضوء، ووحوشها من صمت. لا ترى العدو، ولا تسمعه، لكنك تشعر به في ارتعاشة شاشة، أو تأخّر رسالة، أو صمت هاتفٍ لا يرنّ.
ومع ذلك، يبقى في أعماق الإنسان شيءٌ لا تبلغه الإشارات، ولا تخترقه الأنظمة.. صوت الفطرة. ذلك الصوت الذي يقول إنّ الأمان لا يُبنى بالجدران المحسوسة، ولا بالجدران الإلكترونية، بل يُبنى بعهدٍ لا يُنقض، وجارٍ لا يُغدر به، وقلبٍ يعرف أين يضع ثقته.
فهل يمكن بناء ما لا يُخترق؟
ثقةٌ بين الناس، ووفاءٌ بين الأمم، وسلامٌ لا يقوم على الخوف بل على الطمأنينة؟
لعلّ السلام الحقيقي يبدأ بوقف إطلاق الريبة.. ووقف نشر الفتن ووقف التدخل بشؤون الغير..
ولعلّ الأمان لا يُصنع في المختبرات وحدها، بل يُولد في الضمير.
والجواب، الذي لم يجده عنترة في سيفه، هو الدعاء من الله عز وجل وأن نؤمن بأنّ الله هو الخالق، المدبّر، الذي بيده مفاتيح الأمن والخوف، والبدء ومن الأفضل أن يخاطب «الجار اللدود»بهذا النداء:
يَا جَارُ، إِنَّ الْأَمْنَ عَهْدٌ مُحْكَمٌ
لَا يُسْتَبَاحُ، وَلَا يُضَامُ، وَلَا يُبَادُ
وَالْأَرْضُ مَا عَاشَتْ عَلَى سَيْفِ الْعِدَا
حَتَّى يُظَلِّلَهَا الْوَفَاءُ وَيَسُودُ
إِنَّا خُلِقْنَا لَا لِزَرْعِ مَخَاوِفٍ
بَلْ لِلْوِفَاقِ، وَفِي الْوِفَاقِ خُلُودُ
فَاحْفَظْ جِوَارَكَ، وَاصْنَعِ الدُّنْيَا الَّتِي
فِي ظِلِّهَا تَسْمُو النُّفُوسُ وَتَسْعُدُ
وَاجْعَلْ مِنَ الْعَهْدِ الْمُصَانِ مَنَارَةً
فَبِهِ الطُّمَأْنِينَةُ الْكُبْرَى تُشَيَّدُ
إِنَّ السَّكِينَةَ لَا تُنَالُ بِقُوَّةٍ
لَكِنَّهَا خُلُقٌ، بِهِ الْمَجْدُ يُولَدُ