إبراهيم عواض الشمراني
تتسم الطريقة الملكية في إدارة الأزمات والمواقف باستراتيجية طويلة المدى، غزيرة المعنى، تحمل قيم الصدق ووفاء الصداقة والصبر والحلم والأناة والحكمة والتسامح وإعلاء المصلحة العامة والترفع عن الزلات وتقدير الأخوة، لكن الملوك بما وهبهم الله من سلطة وحكم وهيبة وقوة بأس على مر التاريخ؛ لايخشون الوضوح ولا المواجهة إذا لزم الأمر؛حتى وإن رأى المتابع أن أمد الصبر قد طال!
وقد أثبتت سياسة النفس الطويل على مر العصور والحروب والأزمات أن هذا النهج هو القادر على تصحيح المسار واتخاذ القرار الصحيح عندما تحين المواجهة، ومعالجة الخطأ والنقص والتقصير والتعدي على الحقوق في الوقت المناسب، وقد يطول الصبر والصمت حتى يظن العالم أن هؤلاء لن يتكلموا أبداً، وربما فُسر هذا الصبر والحلم بغير مقصوده، حتى يثق الخصوم في حلمهم ويتوقعوا أن هؤلاء غير عابئين بكيدهم وخططهم ويتملكهم الغرور ويستزلهم الشيطان!
ثم في لحظة قوة وشجاعة وعزم على المواجهة؛ يرفع الستار وتبدأ الإشارة بوضوح إلى كل مكان في خريطة السياسة وتسمى الأشياء والمواقف بمسمياتها والصدور بمكنوناتها.
و لكن أيضاً على الطريقة الملكية المتعالية عن الضجيج والفوضى، ويصبح للكلمات وزنها، وللتلميحات بأسها، وللحروف والنقط معانيها، فإن هم صمتوا فلصمتهم معنى، وإن هم قرروا اتخاذ موقف وأعلنوا أنه يجب التوقف فعلى الآخرين أن يفعلوا، لأن (الملوك) إن قالوا (انتهى) فهذا يعني (انتهى)!
وربما تأخر التعبير عن حق الرد أو تم الرد دون أن يلاحظ المتوهم قوة بأس ما حدث لأنه عاش في عالم الأوهام طويلاً! نعم، لم ينته صبرها ولا صبر ملوكها ولم تنته الأزمة بعد ولن يتوقف التاريخ عن تسجيل الأزمات واحدة بعد أخرى، لكن الأسلوب الملكي في إدارة الأزمات ظل كما هو منذ قيام هذه الدولة؛ تتأمله فلا يتوقف إعجابك وحبك إن كنت على ثرى وطن يفتخر بتلك اللحمة بين القيادة والشعب، وهي مشاعر لايمكن فهمها للبعيدين الذين يرون في طرفي المعادلة حاكما ومحكوما فقط، دون أن يغوصوا في كنه هذه العلاقة منذ زمن الأباء والأجداد ويعرفوا أنّا نشعر وإن كانوا قادتنا وحكامنا فهم أهلنا وسندنا، ونحن أهلهم وسندهم، ومعهم وبهم حققنا قصة نجاح خالدة لدولة لم يكن تأسيسها على آبار بترول ستنضب أو ناقلات نفط ستتعثر في مضيق جغرافي صغير، إنها جغرافية الوطن الكبير الذي يفتخر أبناؤه بقادتهم ويشعرون بكامل الرضا عن سياساتهم الملكية ويحلمون معهم بأجمل مستقبل سيمر الزمن وتتحقق أحلامهم العظمى فيه، وتفشل كل مخططات الإفساد، وتتحطم على صخرة التلاحم كل التحليلات والتخيلات السياسية الماكرة.
الشيء الوحيد الذي سيتسمر في إزعاجنا وإن لم يؤثر في مسيرتنا؛ هو تلك الغصة التي نشأت من علم الحساب أثناء الأزمات، وتحول أرقام العشرات إلى آحاد والآحاد إلى فراغ! رغم أنّا من أضاء أحادها وعشراتها وأقال عثراتها!
56 دولة إسلامية منها 22 دولة عربية تتأمل في التاريخ المشرّف لمملكتنا معهم ثم تعيد النظر في مواقف تلك (الأعداد) فلا تستطيع كتم مشاعر الأسف، وهيهات أن يصلح الزمان والعطار والكلام المعسول الذي سيتطاير في الهواء عما قريب؛ ما أفسد الدهر والخواء والالتواء! ومع ذلك لنا أن نتخيّل أن هذه الدولة العظيمة وملوكها وقادتها كعادتهم منذ قيام الدولة على يد المؤسس رحمه الله، سيستمرون في ترفعهم عن الزلات والخيبات التي تأتي من الصديق والقريب، أما الأعداء فنهاياتهم كنواياهم ستكون سيئة جداً.
حفظ الله مملكتنا وحفظ وأعز قادتنا الذين لم نشعر معهم ونحن - ربما- في أتون أعتى الحروب على مر التاريخ، بأي خوف أو لحظة شك بحكمتهم وقدرتهم على العمل أن تبقى هذه البلاد عزيزة مكرّمة في حاضر مزدهر، ترنو لمستقبل أجمل، مهما كان ما حصل ويحصل من غرائب وعجائب للأعداء والأصدقاء على حدٍّ سواء!