د. عبير الطلحي
على الغلاف «نوف»، نوف وكفى، بدون ألقاب ولا أوصاف ولا عناوين شارحة، يقف القارئ مستأذِنًا ليدخل الكتاب، وتأخذ بيده أ.د. نورة الشملان ليجول في عالم من «النوف»، من «العلو والرفعة»، ليعرف كيف يمكن أن يكون للإنسان من اسمه أوفى النصيب.
لهذا الكتاب أهمية تجلّت لي في جانبين: أهمية توثيقية، وأهمية قيمية. أما الأهمية التوثيقية ففي كون الكتاب يسهم في سدّ فراغ كبير في كتابة تاريخ المرأة، فراغ اشتكى منه التاريخ دهورًا طويلة، وما زال أكبر من كلّ ما سُطِّر حول تاريخ النساء. ومع تعاقب أجيال النساء المتعلِّمات، والباحثات الأكاديميات، لم يعد لنا عذر في ترك أسطر النساء فارغة، تُفهم مما بين السطور، ومن أفعال الرجال، فإذا رأينا رجلاً عظيمًا قلنا: لا شك أن خلفه نساء عظيمات.
وقد فطنت د. نورة الشملان لذلك، فسطرت من الروايات الشفوية ومن مشاهداتها الشخصية مرجعًا أوليًا أساسيًا دون وسيط لمن سيكتب عن المرأة السعودية ولو بعد مئات السنين، إذ اقتنصت ما تبقى في الذواكر، وحفظته في أسطر ليبقى ويعيش، فحفظت لنا بذلك جزءًا من ذاكرتنا ومن هويتنا، بأن اختارت نموذجًا للمرأة السعودية وخلّدته، وكم من قصة عظيمة ماتت لأنها لم تسكن أسطرًا في كتاب!
فعلت د. نورة الشملان ذلك بقلم الباحث الخبير، فهي وإن كانت محبةً للأميرة نوف -كما صرحت بذلك في مقدمتها- فقد حاولت أن ترسم لنا شخصيتها بلغة موضوعية، منذ وصف تفاصيل اللقاء الأول، إلى وصف مشاهداتها في مجلس الأميرة نوف في الحضر والسفر، تاركةً للقارئ أن يرسم في ذهنه شخصية الأميرة نوف، ثم عضدت مشاهداتها الشخصية وتجاربها بعدد كبير من الشهادات والتجارب، أكدوا كلهم ما وصفت، ورسموا جميعهم الخطوط نفسها، كرسامين أعادوا مرور الريشة على الخطوط ذاتها مرات ومرات فبدت بارزة لا تخطئها عين. وحاولت د. نورة الشملان بحرفة الباحث المتمرس استخدام كل أداة ممكنة لجعل حب الأميرة نوف موضوعياً، فأقنعت القارئ عقليًا وشعوريًا بحب من أحبت.
أما الأهمية القيمية فتظهر في صناعة القدوة، فنحن بحاجة إلى قدوة تُحتذى، والأميرة نوف في استعراض سيرتها العطرة التي حشدت د. نورة الشملان مشاعرنا لها بالحب والإعجاب قدوة ذات صفات رائعة، وخصال نبيلة: التواضع، والجود، واللطف، وحسن الضيافة، والعطاء بكل أنواعه والاستمتاع به، وإخلاص الصداقة والمحبة، والحنان والرعاية، والأناقة، وعمق المشاعر وصدقها... إلخ. فكلنا نحب، ولكن من يحب كحبها؟! من يلازم مريضه ليلاً ونهارًا كما كانت تلازم؟! ومن لا تطيب لها الحياة بعد وفاة شقيقها حتى يسرع بها الرحيل بعده؟! جمعها الله به في جنات الخلد، ثم بعد ذلك الصفة النادرة وهي التوازن، كما وصفته د. نورة الشملان: «القوية بلا قسوة، المرحة بلا ابتذال، المتدينة بلا تطرف»، أما كرمها فلا توسط فيه، فهي «الكريمة بلا حدود»، والكرم عند العرب خصلة جامعة لكل خير، فضد الكريم عندهم ليس البخيل؛ بل اللئيم؛ ولذلك هي كريمة بلا حد، كريمة الخلق، كريمة النسب، كريمة اليد، كريمة النفس، وفي الخير ومن الخير يستزيد الخيّرون ويتنافسون.
سيرة «نوف» قصة من نسيج روحنا، تحمل الدم السعودي الأصيل، قُدّت على مقاس ملامحنا وأخلاقنا وقيَمنا، فصلحت بامتياز أن تكون قصة قدوة نقتدي بها، وقد قصدت د. نورة الشملان هذه الغاية كما صرحت بذلك في مقدمتها. فشكرًا لها أن سمحت لنا أن نرى هذه الشخصية العظيمة بعيني قلمها، شكرًا لأنها رسمت لنا ملامح شخصية بها نقتدي وبها نفتخر. ولا عجب، فوطن عظيم كوطننا، بقادة عظماء كمن عرفنا، تقف خلفهم وبجوارهم نساء عظيمات بالمشورة والدعاء والتأييد، هن الشقائق اللاتي تكتمل بهن صورة مجد هذا الوطن المجيد.
فيا رب نسألك لهذا الوطن النوف والرفعة، ولنوف بنت عبدالعزيز الرحمة والمغفرة وسكنى أعالي الجنان، ولأستاذتي الدكتورة نورة الشملان البركة في العلم والعطاء والجزاء الوافر الجزيل. وأعنّا يا رب أن نقتدي ونقفو الأثر.
** **
- أستاذة النحو واللغويات في جامعة الملك سعود