د. رانيا القرعاوي
يمثِّل يوم 27 مارس يوم بادرة السعودية الخضراء مناسبة وطنية للاحتفاء بجهود وإنجازات كل من أسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة للسعودية، ويعكس التزامًا واضحًا تجاه البيئة ضمن مسار رؤية 2030 .
في مثل هذه المناسبات، يرتفع الزخم الإعلامي بشكل لافت. تتصدر الهاشتاجات، تتكثف الرسائل الإعلامية، ويُعاد طرح مفاهيم الاستدامة في مساحة زمنية قصيرة. هذا الزخم مهم، لكنه لا يكفي. لأن الاستدامة بطبيعتها لا تُبنى باللحظة، بل بالتراكم.
وهنا تظهر فجوة تتكرر في كثير من القضايا التنموية: وصول الرسالة لا يعني فهمها، وكثافة النشر لا تعني تحقق الأثر.
يوضح تقرير State of PR 2026 الصادر عن Meltwater التحول الحديث بمجال العلاقات العامة، إذ لم يعد نجاح العمل الإعلامي يُقاس بعدد التغطيات أو حجم الانتشار، بل بقدرته على إحداث تأثير فعلي يمكن ملاحظته. ومع ذلك، لا تزال ممارسات كثيرة تعتمد على منطق «النشر المكثف» خصوصًا في المناسبات، دون امتداد حقيقي للأثر بعد انتهاء الحدث.
في سياق الاستدامة، يصبح هذا التحدي أكثر وضوحًا. فالمحتوى البيئي الذي يُقدَّم في يوم واحد قد يرفع مستوى الوعي مؤقتًا، لكنه لا يغيّر السلوك ما لم يستمر. الدراسات في الاتصال البيئي تشير إلى أن التغيير الحقيقي في السلوك يحتاج إلى تكرار الرسالة وربطها بالحياة اليومية، وليس الاكتفاء بتكثيفها في مناسبات محددة.
الإعلام السنع لا يتعامل مع يوم السعودية الخضراء كذروة، بل كنقطة بداية. لا يكتفي بعرض المبادرات، بل يربطها بسلوك الفرد، ويعيد تقديمها بصيغ مختلفة على مدار العام. لأن الاستدامة لا تتحقق بالمعرفة وحدها، بل بالاستمرار.
ويبرز في هذا السياق الشعار الذي اعتمده حساب السعودية الخضراء: «الاستدامة فينا من أول وتالي»، وهو شعار ذكي يجمع بين الأصالة والامتداد، ويستدعي الذاكرة الثقافية بطريقة قريبة من الجمهور، حتى في استحضاره لسيدة ترتدي الزي التراثي السعودي، ولكن بروح معاصرة تتجه نحو المستقبل. هذا النوع من الرسائل لا يقدّم الاستدامة كمفهوم مستورد، بل كقيمة متجذرة في الهوية.
لكن المتخصصين في صناعة الإعلام يعرفون أن قوة الشعار وحدها لا تكفي. فالتحدي الحقيقي ليس في صياغة رسالة جذابة، بل في استمرار حضورها. الرسالة التي تُقال مرة تُنسى، أما الرسالة التي تتكرر وتُعاد صياغتها عبر الزمن، فهي التي تتحول إلى وعي وسلوك.
وهنا يتغيَّر دور الإعلان أيضًا. لم يعد الإعلان مجرد رسالة احتفالية، بل أداة لترسيخ السلوك. الإعلان السنع لا يقول «نحتفي»، بل يوضح «كيف تستمر». يربط بين المبادرة والحياة اليومية، ويجعل الاستدامة خيارًا حاضرًا، لا فكرة موسمية.
في مبادرات بحجم السعودية الخضراء، لا تُقاس القيمة بحجم التفاعل في يوم، بل بمدى استمرار الفكرة بعده. لأن الفرق بين النشر والتأثير هو ما يصنع الفارق الحقيقي.
الاحتفاء بعدد المواد التي غطت الحدث هو مجرد بداية.. لكن الاستدامة الفعلية تتحقق بالأثر الذي خلفته تلك التغطيات.