فاطمة الجباري
ليس كل ما يُرى هو الحقيقة، وليس كل ما يُقال هو القصة كاملة.
ففي عالمٍ تتصاعد فيه ألسنة النار، يظن الناس أنهم يرون المشهد واضحًا، بينما الحقيقة غالبًا تقف في مكانٍ بعيد خلف ستارٍ كثيف من الظلال.
يقال إن لكل شيء ظلًا.. إلا النار.
لكن نار الحروب تصنع ظلالًا طويلة في أرواح البشر؛ ظلالًا من الخوف، والشك، والدموع التي لا تُرى في نشرات الأخبار.
فحين تشتعل الحروب، تُروى للناس حكايات البطولة والعدالة والدفاع عن المبادئ، بينما تبقى القصص الأخرى -الأكثر خفاءً- حبيسة المكاتب المغلقة والقرارات التي لا يسمع صداها إلا بعد أن يبرد الرماد.
كم من حربٍ بدأت بخطابٍ حماسي، وانتهت بعد سنين طويلة بملفاتٍ تُفتح لتكشف أن وراء الدخان مصالح خفية، أو طموحاتٍ لم تُذكر، أو حساباتٍ لم تكن يومًا في وعي الشعوب التي دفعت الثمن.
والحقيقة المؤلمة أن الحقيقة نفسها تكون أول من يسقط في ساحة المعركة.
فالكلمات تُصاغ لتُقنع، والوقائع تُختصر لتُناسب الرواية، والناس تمضي خلف ما يُقال لها وهي تظن أنها ترى الصورة كاملة.
ومع مرور الزمن.
تبدأ الظلال في الانحسار، وتظهر ملامح ما كان مخفيًا.
لكن بعد ماذا؟
بعد أن يكون التاريخ قد كتب فصوله بالدم، وبعد أن تكون الأرواح قد دفعت ثمن أسرارٍ لم تكن تعرفها.
لهذا يبقى السؤال معلقًا في ضمير الإنسانية:
هل كانت الحروب يومًا كما رُويت لنا.. أم كما كُتبت لاحقًا في دفاتر الحقيقة المتأخرة؟