د. محمد عبدالله الخازم
صدر أمرٌ ملكي باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون، جامعةً متخصصة في مجالات الثقافة والفنون، تحت إشراف وزارة الثقافة. ووفق ما أُعلن، ستكون مؤسسة تعليمية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، على أن تُدعم حكوميًا عبر إعانة تقدمها وزارة المالية. وقد اختير حي عرقة مقرًا للجامعة، فيما ستضم -بعد اكتمالها- ثلاث عشرة كلية تمثل مختلف هيئات وزارة الثقافة.
وبحكم اهتمامي بسياسات التعليم العالي، وخبرتي في المساهمة في تأسيس كليات وبرامج أكاديمية حديثة في المملكة، أتجاوز هنا الإشادة - وهي مستحقة - بالفكرة والقرار وعلاقتهما برؤية 2030، لأقدم بعض الإضاءات والأفكار العملية لهذه الجامعة الوليدة، مع كامل التقدير للجهود التي قادت إلى تأسيسها، بقيادة ربان الثقافة والفنون، سمو الأمير بدر بن فرحان آل سعود.
المرجعية والتخصص
تبرز تساؤلات تتعلق بمرجعية الجامعة. هذه مسألة تنظيمية تمثل تجربة جديدة تتبناها وزارة الثقافة. والتعليم الجامعي في المملكة يتضمن نماذج مشابهة؛ فجامعة الملك سعود للعلوم الصحية ترتبط بوزارة الحرس الوطني، كما تُعد جامعة الملك فهد للبترول والمعادن نموذجًا لجامعة ذات طابع مؤسسي شبه مستقل، يعكس ارتباطها التاريخي بقطاع الطاقة ممثلًا في شركة أرامكو. كذلك انتقلت مرجعية جامعة الملك سعود إلى الهيئة الملكية لمدينة الرياض. ولا تعد هذه النماذج استثناءً، إذ سبقتها ممارسات مماثلة، مثل الكليات الصحية والتعليمية التي ارتبطت بقطاعات حكومية مختلفة، إضافة إلى الكليات الأهلية بنوعيها: غير الربحية والتجارية. تنويع النماذج والمرجعيات يفتح المجال للتنوع والتنافس والإبداع. وفي المقابل، تبقى سياسات التعليم العامة والتوجهات الوطنية من اختصاص وزارة التعليم، التي ستكون ممثلة في مجلس أمناء الجامعة الجديدة.
أما فيما يتعلق بالتخصصات، فتوجد كذلك نماذج عالمية عديدة لجامعات أو كليات ذات طابع تخصصي واضح أو أهداف محددة. ومن أبرز الأمثلة المحلية جامعة الملك فهد، التي ركزت منذ تأسيسها على مجالات الطاقة والهندسة والعلوم المرتبطة بها، وكذلك جامعة سعود الصحية التي تخصصت في المجالات الصحية. وعليه، فإن جامعة الرياض للفنون تسير وفق أسس تنظيمية مقبولة، ولها مرجعياتها ونماذجها المحلية والعالمية.
استقلالية الجامعة
أشار القرار إلى أن الجامعة ستكون مؤسسة تعليمية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي والإداري. وهذا يُعد الأصل المفترض في الجامعات، وهو ما سارت عليه جامعاتنا الأم حتى أواخر السبعينيات، حين اهتمت وزارة التعليم بتوحيد الأنظمة وتعزيز أدوارها الإشرافية على الجامعات. تاريخ التعليم الجامعي في المملكة، تم تفصيله في كتابنا «اختراق البرج العاجي» الصادر عام 2011م. غير أن الأهم يتمثل في الكيفية التي سينعكس بها هذا الاستقلال المالي والإداري على شخصية الجامعة، وهويتها الأكاديمية، وآليات عملها.
التمويل
ستحصل الجامعة على إعانة حكومية – وفق نظامها – غير أن سؤال التمويل يظل مطروحا: هل ستكون جامعة حكومية تقليدية في تنظيمها المالي؟ أم مؤسسة غير ربحية تسعى إلى تنمية مواردها الذاتية؟ أم جامعة خاصة تستقطب الاستثمارات والمساهمين بهدف تحقيق عوائد مالية؟
فعلى سبيل المثال، تعتمد جامعة الملك فهد في تمويلها على دعم أرامكو، بينما لا تزال جامعة الملك سعود تعمل في إطار التمويل الحكومي، رغم إعلانها «جامعة غير ربحية». وفي الحالتين، يظل التنظيم المالي أقرب إلى النموذج الحكومي التقليدي، وإن اختلفت المسميات ومصادر التمويل. وبعبارة أخرى، تعتمد الجامعتان على آلية تقليدية –تتمثل في نظام الميزانية الحكومي المتعارف عليه– سواء في الحصول على الدعم الحكومي أو دعم الشركات، بدلا من تبني آلية إنتاجية يُربط فيها التمويل بمستوى الأداء والإنجاز، مع منح الجامعة مرونة أكبر في تحديد أبواب الصرف وبنودها التشغيلية.
ومن هنا، يؤمل أن تؤسس جامعة الرياض للفنون أنظمتها بوصفها جامعة غير ربحية (Non-profit organization)، بما في ذلك تقنين الإعانة الحكومية وفق نموذج حديث قائم على الإنتاجية والكفاءة. ويمكن أن تتنوع مصادر تمويلها على النحو الآتي:
منحة حكومية/ وقفية تأسيسية تشمل الأرض والمقرات التعليمية والمساندة، بشكل مباشر من وزارة المالية أو عبر جهات أخرى مثل؛ وزارة الثقافة، هيئة تطوير الدرعية، مؤسسة مسك، وغيرها.
منح دراسية حكومية وأهلية سنوية تُمنح على أساس تنافسي للطلاب، بحيث يُوجَّه الدعم الحكومي عبر تمويل المنح الدراسية.
دعم ومنح استثنائية، مثل منح ابتعاث الأساتذة، والمنح البحثية، ومنح المشاريع النوعية.
إتاحة الدراسة برسوم للطلاب الذين لا يحصلون على منح دراسية.
موارد وقفية واستثمارية، تُبنى تدريجيًا، بشكل مباشر أو في مراحل لاحقة من التأسيس.
موارد أخرى، مثل الرسوم المختلفة، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الخدمات والاستشارات، ونحو ذلك.
الهوية الأكاديمية
عند الحديث عن الهوية الأكاديمية لجامعة الرياض للفنون، يجدر بداية التفريق بين مفهوم «الجامعة» ومفهوم «الكلية/المعهد»، سواء كانت كلية تقنية، أو معهدا، أو كلية مجتمع، أو كلية تطبيقية؛ إذ إن هذا التفريق يمهد الطريق نحو تحديد أهداف وهوية الجامعة الجديدة من الناحية الأكاديمية.
الجامعة تقدّم نطاقًا أوسع من التخصصات، وتمتلك اهتمامات بحثية أعمق، ما يجعل هويتها الفكرية تتشكل ضمن مناخ أكثر انفتاحًا على الحوار والمناظرة والنقاش العلمي، القائم على التفكير الناقد، والحرية الأكاديمية، والشفافية - وذلك ضمن الأطر الوطنية العامة. وبناء على ذلك، فهي مؤهلة لتأسيس برامج دراسات عليا متنوعة.
كما أن الجامعة -وفق هذا التصور- معنية بالتأسيس الفكري والثقافي للطالب؛ لذا فإن جزءاً مهمًا مما يدرسه يرتبط بمواد عامة تسهم في تنمية المهارات، وتعزيز المعرفة الثقافية والحضارية والقيمية والمهنية، بما يُسهم في إعداد خريجين قادرين على القيادة والريادة في مجالاتهم، لا مجرد ممارسين تقنيين. وبعبارة أخرى، فإن التميز في الفنون لا يقتصر على إتقان التقنيات، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك الهويات والسرديات، وتنمية الوعي الثقافي والحضاري.
ومن هذا المنطلق، اقترح تبنّي النموذج الأكاديمي (2+2)، الذي يقوم على دراسة سنتين عامتين (بعد استيفاء متطلبات اللغة)، تليهما سنتان في التخصص، مع إمكانية إضافة تدريب عملي تتراوح مدته بين 3 إلى 6 أشهر. تحديد الإطار الأكاديمي الهيكلي للجامعة يسهم في بلورة هويتها، وبناء مناهجها، واختيار شراكاتها العالمية بما يتسق مع الإطار الذي اختارته.
السنة التحضيرية
تحتاج الجامعة إلى وقت كافٍ لتأسيس مقراتها، وبناء مناهجها، وتطوير نماذجها التعليمية.
وخلال هذه المرحلة الانتقالية، يمكن اقتراح إلحاق الدفعات الأولى من طلابها بمؤسسة تعليمية قائمة، إلى حين اكتمال بنيتها الأكاديمية والتأسيسية، سواء عبر قدراتها الذاتية أو من خلال شراكات دولية.
وفي هذا السياق، يعد نموذج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من أنسب الخيارات محليا، نظرا لما تتمتع به من قوة في برامج اللغة والمهارات الأكاديمية، إلى جانب بيئة السكن الجامعي، ومعايير الانضباط الأكاديمي المعروفة فيها.
ومن المهم كذلك إشراك أعضاء هيئة التدريس في جامعة الرياض للفنون خلال هذه المرحلة التأسيسية، بما يتيح الاستفادة من التجربة ونقل خبراتها لاحقًا.
ولا يُعد هذا النموذج جديدا؛ فقد طُبّق سابقًا عند تأسيس كليات الطب الأولى في الرياض والدمام، حيث أُلحِق طلابها بالسنة الأولى في جامعات أجنبية، إلى حين استكمال جاهزية الكليات محليًا.
كلية تعليم مستمر
وبالعودة إلى تعريفات الكليات والمعاهد، نجد أنها تركز بالدرجة الأولى على تنمية المهارات التطبيقية؛ لذا تأتي برامجها أقصر زمنا، وذات طابع عملي ومعملي، وغالبًا لا تتضمن برامج دراسات عليا، كما لا يكون البحث العلمي محورًا رئيسًا فيها.
على الرغم من أن جامعة الرياض للفنون تُعد جامعة متخصصة، فإن بعض التخصصات المعلنة تميل إلى الطابع المهني التطبيقي.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إنشاء كلية بصيغة «كلية تعليم مستمر» أو «كلية مجتمع» أو «كلية تطبيقية»، تتولى تقديم برامج الدبلومات والشهادات المهنية القصيرة والمتوسطة، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التطوير المهني للعاملين في مجالات الفنون.
البيئة الجامعية
تحتاج الجامعات إلى بيئة متكاملة تشمل الإسكان الطلابي، والأنشطة الطلابية، والمكتبات، والقاعات متعددة الاستخدامات؛ بما يسهم في بناء ثقافة جامعية تعزز ثقة الطالب بنفسه، وانتماءه، ونموه الذاتي، وقدرته على التفاعل مع الآخرين. وتُعد هذه العناصر من أهم مقومات النجاح في الجامعات المتميزة، في مقابل ما تعانيه بعض جامعاتنا من تركيزٍ على التعليم بوصفه مجرد نقلٍ للمعرفة داخل القاعات، دون إيلاء الاهتمام الكافي بالنمو الثقافي والاجتماعي والنفسي للطالب.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن اقتراح بناء شراكات وتعاون مع جامعات أخرى، بما يتيح الاستفادة من خبراتها في تطوير البيئة الجامعية المتكاملة، وتسريع تحقيق هذه المقومات على نحو فعّال.
التعاون مع جامعة الملك سعود
وبالحديث عن بيئة الجامعة، وكونها لا تزال في طور التأسيس، فكما تم اقتراح التعاون الأكاديمي مع جامعة الملك فهد، يمكن كذلك اقتراح التعاون في المقرات والخدمات المساندة مع جامعة الملك سعود. بمعنى آخر، يمكن الاستفادة من مرافق الجامعة، مثل الإسكان الطلابي، والمكتبات، والخدمات الطبية، وغيرها من الخدمات المساندة. ويُعد ذلك ممكناً نظراً للقرب الجغرافي بين الجامعتين، إضافة إلى استقلالهما الإداري، مما يسهّل بناء شراكات تشغيلية فعّالة في مجال الخدمات المشتركة.
مقر الجامعة
أما فيما يتعلق بمقر الجامعة، فقد تم اختيار موقع يبدو مناسباً للمرحلة الراهنة- رغم أنه لم يُصمَّم أساسًا ليكون مقراً جامعيًا - وذلك بهدف تسريع انطلاق أعمال الجامعة، فضلًا عن تميّزه من حيث الجمال والموقع. ومع ذلك، تبرز الحاجة مستقبلًا إلى مقر أكثر اتساعًا وتكاملًا، يليق بجامعة حديثة يُفترض أن تكون أيقونة فنية في تصميم مبانيها، ومعاملها، واستوديوهاتها، ومكتباتها، ومتاحفها. ومن الطموح أن تتحول الجامعة إلى نواة لمدينة فنية ثقافية، تمثل نموذجاً مميزاً في التصميم العمراني وتخطيط الفراغات.
ومن هنا، يُقترح البدء مبكرًا في التخطيط لإنشاء مقر متكامل ضمن الخطة الخمسية أو العشرية للجامعة.
جامعة الفنون والمعاهد الملكية
جاء الإعلان عن تأسيس جامعة الرياض للفنون والمعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية في توقيت متقارب، إضافة إلى المعهد الملكي للفنون التقليدية. ولكل من هذه المؤسسات مجاله وفلسفته ورؤيته، إلا أنها جميعًا ترتبط بمرجعية واحدة هي وزارة الثقافة، مما يجعل التنسيق بينها أمرًا ميسوراً. وقد يفتح ذلك المجال لتطوير مقررات مشتركة، أو برامج تمهيدية متقاربة، أو حتى مسارات دراسات عليا متداخلة في بعض جوانبها. ورغم أن المرحلة الحالية - بوصفها مرحلة تأسيس - استدعت إنشاء كل مؤسسة بشكل مستقل، فإن ذلك لا يتعارض مع بناء جسور من التعاون والتكامل بينها، ضمن منظومة متكاملة للتعليم والتدريب في مجالات الثقافة والفنون.
الخلاصة
نجاح جامعة الرياض للفنون سيقاس بقدرتها على تقديم نموذج مختلف في التعليم والإدارة والتمويل. التحدي الحقيقي الذي نطمح له ليس في البناء، بل في أن تكون إضافة نوعية تُعيد تعريف التعليم الجامعي بصفة عامة وتعليم الفنون بصفة خاصة.