د. طارق بن محمد بن حزام
الإبداع ليس ومضةً عابرة تولد ثم تختفي، بل هو طاقة حيَّة تسكن أعماق الإنسان، تحتاج إلى رعايةٍ دائمة كي تنمو وتثمر. غير أن ما يهدِّد الإبداع في كثير من الأحيان ليس ندرة الموهبة، بل وجود عوائق خفية تتسلل إلى نفس المبدع فتخنق فكرته وتطفئ شرارة عطائه. وهناك أخطاء شائعة يقع فيها كثير من الناس، تتحول مع الوقت إلى أعداء صامتين للإبداع، حتى تموت الموهبة قبل أن تبلغ تمامها. وفيما يأتي أبرز أعداء الإبداع العشرة التي ينبغي التنبه لها وتجنبها:
أولاً: الشعور بالظلم: هناك فرق كبير بين الظلم الحقيقي والشعور بالظلم. فالظلم أن يُمنع الإنسان من حقه أو يُتَّهم بباطل، أما الشعور بالظلم فقد ينشأ دون وجود ظلمٍ حقيقي. فكثير من الناس يظنون -خطأً- أن العالم يتآمر عليهم ليحرمهم حقهم، فيستسلمون لفكرة أنهم يستحقون لكنهم مظلومون، وحينها يتحول جهدهم من تنمية مواهبهم إلى تغذية شعورهم بالاضطهاد وإلقاء اللوم على الآخرين.
ثانياً: الاستسلام أمام العوائق: لم يكن طريق النجاح يوماً مفروشاً بالورود. فكل قصة نجاح تقف خلفها مسيرة طويلة من العثرات والصعوبات. الذين وصلوا إلى القمم لم يكونوا أكثر حظاً من غيرهم، لكنهم كانوا أكثر صبراً وإصراراً على مواصلة الطريق.
ثالثاً: تجنب الاستشارة: يُقال في الحكمة: ما خاب من استشار. فالمبدع الذي لا يسمع إلا صوته، ولا يقبل رأياً غير رأيه، يحرم نفسه من خبرات الآخرين ومن تصحيح المسار في اللحظة المناسبة.
رابعاً: المقارنة السلبية: حين يقارن المبتدئ نفسه بمن سبقوه بعشرات السنين من الخبرة، فإنه يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره. المقارنة الصحيحة ليست لإحباط النفس، بل لاتخاذ الناجحين قدوةً تُحفّز على التقدم.
خامساً: الغرور: الغرور آفة النجاح. ففي اللحظة التي يظن فيها المبدع أنه بلغ النهاية، يكون قد بدأ في الحقيقة طريق التراجع. فالإبداع الحقيقي رحلة لا تنتهي.
سادساً: استعجال النتائج: كما أن الطعام يحتاج إلى وقتٍ لينضج، فإن الأفكار تحتاج إلى زمنٍ لتنضج في العقل. الاستعجال في طرح العمل قبل اكتماله يقتل جماله ويضعف أثره وقد قيل من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
سابعاً: التكرار: الإبداع بطبيعته قائم على التجديد. أما التكرار الممل فهو أول طريق فقدان الجمهور. ما يدهش الناس مرةً قد لا يثير انتباههم إذا تكرر بلا روح جديدة.
ثامناً: التقمّص: هناك فرق بين الاقتداء بالمبدعين والتقمّص الكامل لأساليبهم. فالمقتدي يصنع طريقه الخاص، أما المقلّد فيبقى نسخة باهتة من غيره.
تاسعاً: التسويف: كم من فكرةٍ جميلةٍ ماتت لأنها انتظرت «الوقت المثالي». الحقيقة أن الوقت المثالي لا يأتي غالباً، وإنما يصنعه الإنسان حين يبدأ.
عاشراً: المبالغة في توقع الدعم والتقدير: بعض المبدعين يتوقّع أن ينال الشهرة والجوائز منذ أول عمل، أو أن تتكفل المؤسسات بدعمه فور ظهوره. لكن سنن الحياة تقوم على العطاء أولاً، ثم يأتي الحصاد بعد ذلك.
وفي النهاية، يبقى الإبداع بذرةً دقيقةً في أعماق النفس؛ إن سُقيت بالعمل والصبر نمت وأزهرت، وإن خُنقت بالأوهام والتردد ذبلت وماتت.
ولعل أخطر ما يهدِّد الموهبة ليس قلة الفرص، بل أن يكون صاحبها هو أول من يقف في طريقها.