د. منى بنت صالح الحضيف
تتميز فنون السرد الأدبي بتنوعها، وإقبال القارئ عليها باختلاف أنواعها، بين رواية، وسيرة، وقصص قصيرة؛ إذ تُوصلنا بالآخر، وتجعلنا أمام أفق نقرأ به حياة الآخرين، ونتفاعل معهم، فنتشرب من تجاربهم، ونعيش أحداثهم. ولكل فن من هذه الفنون مزاياها التي لا تقلل من قيمة الفن الآخر، بل تجعل القارئ أمام مساحة حرة فيما تميل عليه نفسه لقراءته والإبحار معه.
وإن كنت أؤمن أن لكن شخص نظام خاص يتخذه عند القراءة، فمنهم من يُفضل القراءة في بدايات الصباح، قبل الدخول في معترك العمل، ومنهم من يقرأ قبل النوم؛ ليعيش تفاصيل الحكاية ويفكر فيما ينتظره من أحداث، وآخر يفرّغ ساعات من يومه ليقضيها برفقة كوب من القهوة أو إبريق من الشاي ليبدأ خلوة القراءة.
فللقراءة طقوس تلازم متعتها. لكني أظن أن لكن فن أدبي أسلوب يتوافق معه عند القراءة، وجو خاص يلائمه ليستطيع القارئ أن يعيش أحداث النص، فمثلًا حينما تقرأ سيرة ذاتية، تحتاج مزاجًا هادئًا ومكانًا يماثله، لأنك ستجالس الكاتب وهو يسرد لك حكايا أيامه، وتفاصيل رحلته، لتجد نفسك منسجمًا مع حديثه، كأن تجلس -مثلًا- في مجلس لطيف أو مقهى هادئ بكرسي مريح تبادله الاستماع.
وعندما تقرأ رواية ذات تفاصيل عميقة كالروايات المبحرة في الميتافيزيقا فربما تحتاج اللجوء إلى جو يفتقد الصخب، ومكان لا يحوي تفاصيل كثيرة أو إضاءة عالية من أجل أن تعيش الأجواء (السينمائية) التي ستشاهدها وأنت تقرأ الرواية.
أما القصة القصيرة فهي الرفيق الجيد في أوقات الانتظار، إنها الأنيس اللطيف، والصديق الوفي الذي لن ينزعج حينما تضطر لإغلاق صفحاتها، أو تتوقف عن قراءتها في أي لحظة. وما يميزها أنك إن عُدت إليها بعد توقف طويل، فلن تحتاج إلى العودة من البداية لتستذكر الأحداث التي وقفت عندها، بل تكتفي العودة إلى صفحة أو صفحتين سابقتين، ليس تقليلًا من قيمتها، بل العكس من ذلك؛ فالمجموعة القصصية تكون معك في رحلاتك القصيرة بصورة متجددة.
كانت آخر مجموعة قصصية قرأتها مجموعة (فستان نورة) للأديب سطام الحقباني، وهي كتاب واحد من الحجم الصغير، قسمها إلى جزئين: الأول منها (القصص) وعددها عشر قصص قصيرة تحمل العناوين (حينما تشرق الشمس- الورم- الأرجوحة- انتحال- البحث عن سماء دافئة- فستان نورة- آخر الشرفاء كان- حزن الخميس- جمود- رائحة الذكرى) وهي قصص تناولت حكايا اجتماعية، حملت كل قصة رسالة ضمنية حرص القاص على إيصالها إلى القارئ دون غموض يلتف حول القصة؛ إذ كان أسلوبه واضحًا وصريحًا يعرف ماذا يريد أن يقول، وكيف يقول. وقد استهل كل قصة باقتباس قصير.
اختار القصة السادسة (فستان نورة) لتكون عنوانًا للمجموعة القصصية، فلم يجعل ترتيبها الأول بين القصص! وكأنه لا يريد الإشارة إليها مباشرة دون بقية القصص، بل يريد أن تأخذ كل حكاية حقها من قراءة القارئ وتأملها، لكن قصة (فستان نورة) هي الأكثر إيلامًا بين المشاكل الاجتماعية التي تناولها؛ إذ تحكي عن سقوط الطفلة (نورة) بين يدي والديها دون سبب ظاهر، ليكتشفوا في النهاية أن الخادمة علّقت سحرًا على فستانها بطلب من زوجة أبيها انتقامًا. وكأنه يريد أن يرسل رسالة مفادها أن الطفولة لا يجب أن تكون مسرح الانتقام. وتتوالى الحكايا في الكشف عن قضايا مختلفة تتردد بين طيات المجتمع، تفتح للقارئ التأمل في أحواله وأحوال من حوله، وكيف للقناعات أن تكون مصدرًا لخسارة الإنسان وتدمير حياته.
أما الجزء الثاني من المجموعة القصصية عنونه بـ (رصاصات بلا صوت) فكان رسائل بنصوص قصيرة جدًا، تحمل معاني عميقة، ألحقها القاص بالمجموعة القصصية وكأنه يقول إن الحكايا لم تنته، والحياة لن توقف عن إرسال رسائلها مادمنا نستمع إليها، ونتفكر بها. فما يميز الأديب أنه يستطيع اقتناص الرسالة وتحويلها إلى حكاية يرويها.