فائز بن سلمان الحمدي
حين تضطرب خرائط العالم، وتتعثر سلاسل الإمداد، وتغدو الطرق التي كانت آمنةً كأنها على حافة القلق، لا يتقدّم إلا أولئك الذين خُلِقوا لساعة الشدّة، ولا يُسمع إلا صوت الأمم التي عرفت كيف تكون قدرًا حين يعجز غيرها عن أن يكون خيارًا.
وهنا تقف المملكة العربية السعودية. لا بوصفها دولةً فحسب، بل بوصفها قلبًا نابضًا في جسد المنطقة، وعقلًا راشدًا يزن اللحظة بميزان الحكمة، ويدًا ممدودة لا تعرف التردد حين يُستدعى الواجب. لم تكن قراراتها الأربع مجرد بنودٍ إجرائية، ولا سطور في بيانٍ عابر، بل كانت نصًا حيًّا من نصوص الوفاء، يُقرأ بالفعل قبل أن يُقرأ بالحروف، ويُفهم بالوجدان قبل أن يُفهم بالعقل.
الإعفاء من أجور التخزين حتى ستين يومًا… ليس رقمًا يُذكر، بل معنى يُشعر؛ ستون يومًا من الطمأنينة، ستون يومًا من السند الذي لا يُطلب بل يُمنح، كأن الموانئ السعودية تحوّلت إلى صدورٍ رحبة، تحتضن البضائع كما تحتضن القلوب إخوتها، وتقول في صمتٍ نبيل: «ضعوا أثقالكم هنا… فنحن نحمل معكم.» ثم تُفتح الطرق… وتُؤذن الشاحنات الخليجية بالدخول، حتى وهي فارغة، يا لروعة هذا المشهد! أن تُفتح الطريق لا لمن يحمل، بل لمن سيحمل، لا لمن ربح، بل لمن ينتظر أن يربح، كأن الأرض نفسها تُمهَّد بنداءٍ واحد: «أنتم منا… ونحن منكم.» وحين تضيق الأنظمة، تتسع الحكمة… فيُرفع العمر التشغيلي للشاحنات إلى اثنتين وعشرين سنة، لا عبثًا، بل إدراك أن في الأزمات لا يُسأل عن المثال، بل عن الاستمرار، ولا يُبحث عن الأكمل، بل عن الأقدر على إبقاء الحياة سائرة،
وكأن القرار يقول: «ليست القوانين غاية، بل وسيلة… فإذا ضاق الناس، اتسعت لهم.»
ثم ترتقي الرؤية إلى أفقٍ أبعد… فتُطلق مبادرة مناطق التخزين الخليجية وإعادة التوزيع،
حيث لا تكون الموانئ حدودًا، بل جسورًا،
ولا تكون الحاويات أرقامًا، بل روابط،
ولا يكون التنظيم قيدًا، بل صورةً من صور الوحدة التي تُبنى بالفعل، لا بالقول.
أيُّ عقلٍ هذا الذي يرى ما وراء اللحظة؟
وأيُّ قلبٍ هذا الذي يشعر بثقل غيره كما يشعر بثقل نفسه؟ إنها المملكة… التي لم تتعلم الأخوّة من الشعارات، بل كتبتها بالمواقف،وولم تحفظ معاني الوحدة في الكتب، بل نشرتها في الطرق، والموانئ، والقرارات. وهنا تتجلى القيادة… خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- رجلٌ إذا اشتدت الخطوب، بدا كالجبل، ثابتًا لا تميله الرياح،يقود بحكمةٍ لا تضطرب، وبقلبٍ لا يغفل عن أمته. ومعه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -أيده الله- روحٌ تصوغ من التحديات فرصًا، ومن الأزمات منصات انطلاق،
يقود بعقل المستقبل، وعزيمة لا تعرف التراجع.
كم من دولةٍ أغلقت أبوابها في مثل هذه اللحظات؟ وكم من بلدٍ قال: «نفسي أولًا»؟
لكن هنا… كان الجواب مختلفًا، وكان الفعل أبلغ:
«نحن معكم… لأننا بكم، ولكم، ومنكم.»
إنها ليست قراراتٍ تُعلن، بل قيمٌ تُستعاد،
وليست مبادراتٍ تُسجّل، بل هويةٌ تُجدَّد،
وليست مواقف عابرة، بل سيرة أمةٍ كلما اشتدت المحن، ازدادت وضوحًا.
فإذا كتب التاريخ يومًا عن هذه المرحلة،
فلن يكتب الأرقام وحدها، بل سيكتب أن في زمن الاضطراب، كان هناك قلبٌ كبير يخفق في الجزيرة العربية، يضخ الطمأنينة في عروق المنطقة كلها. سيكتب أن الطرق لم تُفتح وحدها، بل فُتحت معها القلوب، وأن الموانئ لم تستقبل البضائع فقط، بل استقبلت معها الأمل،
وأن القرارات لم تُنقذ اقتصادًا فحسب، بل أنقذت معنى الأخوّة نفسه. وهكذا… لا تعود السعودية مجرد اسمٍ على خريطة،بل تصبح معنى… وقدرًا… وحكاية وفاء.
وإذا سُئل يومًا: من كان عند الملمات؟
ومن حمل عن إخوته بعض وجع الطريق؟
ومن قال بالفعل قبل القول: «نحن هنا»؟
فلا يتردد الجواب… بل يرتجف له القلب، وتدمع له العين: هنا… كانت المملكة العربية السعودية.