باسم سلامة القليطي
في عالم يضج بالأصوات المتداخلة، حيث تمنحنا التقنية الحديثة (ميكروفونا) مفتوحاً على مدار الساعة، بات الصمت عملة نادرة، وأصبح التريث قبل النطق فضيلة توشك على الانقراض. يندفع الكثيرون اليوم لملء كل فراغ بكلمة، ولتغطية كل تساؤل برأي، ظناً منهم أن الحضور الدائم هو دليل الوعي، وأن المشاركة في كل محفل هي أسمى غايات التفاعل الإنساني. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن قيمة الكلمة لا تستمد من كثرة تداولها، بل من وزنها في ميزان العقل، ومناسبتها للسياق الذي قيلت فيه. فالذكاء ليس في القدرة على الحديث فحسب، بل في امتلاك المهارة لتمييز اللحظة التي تستوجب الصمت، واللحظة التي يكون فيها البيان ضرورة لا ترفاً.
إن الوعي الحقيقي يبدأ بوضع حدود فاصلة بين ما نعرفه وما نجهله، وبين ما يخصنا وما لا يدخل في نطاق تأثيرنا. الانشغال بتكوين رأي حول كل شاردة وواردة في الفضاء العام يستهلك طاقة ذهنية كان من الأجدر صرفها في تجويد التخصص أو تعميق الفهم في المجالات التي نتقنها حقاً.
في حياتنا اليومية، نمر بعشرات المواقف التي تستفزنا لنُبدي رأياً: نقاش عائلي، جدال في العمل، أو حتى تعليق عابر في وسائل التواصل. في كل مرة يدفعنا ذلك الشعور الخفي إلى أن نُثبت ذواتنا ونفرض حضورنا، أن نؤكد أننا نفهم، أننا نملك وجهة نظر. لكن السؤال الحقيقي الذي لا نطرحه على أنفسنا غالباً: هل هذا المقام يستحق؟ وهل هذا الشخص جدير بأن أفتح معه هذا الباب؟ وهل هذا التوقيت مناسب أصلاً؟
التواضع المعرفي يفرض علينا الاعتراف بأن الإحاطة بكل شيء هي وهم يطارد العقول المشتتة. إن الفرد الذي يحاول أن يكون خبيراً في الاقتصاد، ومنظراً في التربية، وناقداً في الفن، ومحللاً في السياسة، ينتهي به المطاف إلى سطحية تجعله يفقد المصداقية في كل تلك المجالات معاً. الثبات على المبدأ يتطلب تخصصاً في الكلمة، واقتصاداً في الجهد الذهني، حتى إذا نطق المرء، جاء قوله فصلاً.
علاوة على ذلك، فإن امتلاك الرأي لا يعني بالضرورة وجوب تصديره للآخرين. هناك آراء تنضج في خلوة الفكر وتعمل كبوصلة داخلية للفرد، وليست بالضرورة مادة للنقاش أو الجدل. الحكمة تقتضي أن يدرك الإنسان أن ليس كل ما يُعلم يُقال، وأن الاحتفاظ ببعض القناعات الشخصية بعيداً عن ضجيج الأخذ والرد يحميها من التشويه أو التبسيط المُخل.
إن القدرة على كبح جماح الرغبة في «إثبات الذات» من خلال الكلام هي اختبار حقيقي لقوة الشخصية واتزانها. فالمتزن لا يستمد قيمته من تصفيق الجمهور أو هز رؤوسهم بالموافقة، بل من يقينه الداخلي بصحة منهجه واتساق أفكاره مع أفعاله، سواء شاركها مع العالم أم احتفظ بها لنفسه.
وفي هذا السياق المتصل بأدب النفس ومنطق العقل، نجد تجسيداً بليغاً لهذه الفلسفة في كلمات العلاّمة محمود شاكر، حيث يقول: «يحسُنُ بالعاقلِ ألّا يخوضَ في كلِّ مجال، ولا يلزمه أن يكونَ له رأيٌ في كلِّ مسألة، وإن كان له رأيٌ، فليس من الضروريِّ أن يُبديه، وإذا اختار أن يُبديه، فليس من الواجب أن يُبديه لكلِّ أحد.» إن هذه المقولة ليست دعوة للانعزال أو السلبية، بل هي دستور للرصانة. إنها ترتب مستويات التعامل مع المعرفة؛ تبدأ بالانتقاء في مجالات الخوض، ثم الترفع عن إلزام النفس برأي في كل قضية، وصولا إلى مهارة كتمان الرأي أو اختيار الوعاء المناسب لسكبه فيه. هي دعوة لحماية العقل من التشتت، ولحماية الكلمة من الابتذال.
إن اختيار «لمن نتحدث» لا يقل أهمية عن اختيار «ماذا نقول». فبث الأفكار العميقة في غير محلها، أو عرض الآراء الرصينة على من لا يملك أدوات فهمها أو الرغبة في تقديرها، هو نوع من تضييع الحكمة.
لكل مقام مقال، هذه القاعدة التراثية تظل صالحة لكل زمان. فالعاقل يزن مستمعيه بميزان دقيق؛ فما يصلح لمجلس خاص بين المتخصصين قد لا يصلح لعامة الناس، وما يُقال لصديق يطلب النصيحة يختلف عما يُطرح في مناقشة عامة. التفريق بين هذه المقامات يحفظ للمرء هيبته، ويحفظ للحق كرامته، ويمنع تحول النقاشات إلى صراعات عبثية لا طائل منها سوى إثارة الغبار حول الحقيقة بدلاً من جليها.
وفي الختام، إن الرقي في التفكير يتجلى في القدرة على ضبط النفس أمام إغراءات الظهور. التميز ليس في أن يكون لك صوت في كل محفل، بل في أن يكون لصوتك أثر حين يرتفع، ومعنى حين تتكلم. إن التدرب على الصمت الواعي والحديث المسؤول هو مسار طويل نحو النضج. لنحترم عقولنا بالابتعاد عن مجالات لا نحسنها، ولنحترم آراءنا بالاحتفاظ بها في مواضعها الصحيحة، ولنحترم الآخرين بتقديم ما ينفعهم في الوقت والمكان المناسبين. إن العمل بمبدأ «لكل مقام مقال» هو الضمان الوحيد ليبقى لجوابنا قيمة، ولسؤالنا معنى، ولحياتنا الفكرية العمق الذي تستحقه بعيدا عن ضجيج السطحية.