أبوبكر الموسى
في تحليل سابق، طرحت فكرة أن إيران باتت ساحة لتصادم الرؤى بين واشنطن ولندن، وأن التحفظ البريطاني والأوروبي على الخيار العسكري الأمريكي يعكس طبقتين من المخاوف، ظاهرهما القلق من انكشاف الجبهة الأوكرانية أمام الضغط الروسي المتصاعد، ومضمرهما الخشية من أن يتحول ما بات يُعرف بـ»النموذج الفنزويلي» إلى سابقة تُقوّض ما تبقى من نظام دولي قائم على الدولة والاتفاقيات، غير أن قراءة متأنية للمشهد تستدعي وضع فرضية موازية على طاولة النقاش، لا بوصفها استنتاجاً، إنما بوصفها خياراً تحليلياً يستحق النظر فيه، وهذه الفرضية تدور حول سؤال مفاده هل يعكس هذا التحفظ الغربي تبايناً حقيقياً في الرؤية الاستراتيجية، أم أنه يُعبّر عن تكامل في الأدوار داخل منظومة تشترك في أهدافها الكبرى؟
في الدراسات الإستراتيجية، يُميَّز عادةً بين نوعين من الخلاف داخل التحالفات، خلاف المصالح المتعارضة، وخلاف تقسيم الأدوار. والفارق بينهما لا يظهر في التصريحات، فكلاهما يُصدر ضجيجاً دبلوماسياً متشابهاً، وإنما يظهر في طبيعة الأثر الميداني الذي يُنتجه كل منهما، فإذا كان الاعتراض لا يُفضي إلى أي تحول في مسار الأحداث، وإذا كانت بنى التنسيق العميقة تسير بمعزل عن الخلاف الظاهري، فإن التساؤل المنهجي يفرض نفسه حول ما إذا كان ما يبدو تبايناً هو في حقيقته تكامل في الأدوار يهدف إلى إدارة مرحلة الانتقال نحو واقع إقليمي جديد دون تحمل التبعات القانونية والسياسية المباشرة دفعة واحدة.
وثمة معطيات لا يمكن إغفالها في أي قراءة رصينة تناقش هذا الاحتمال، أولها أن التقاطع في المصالح الإستراتيجية الجوهرية للمنظومة الغربية في المنطقة يتجاوز بكثير مناطق الخلاف، سواء تعلق الأمر بأمن الممرات البحرية، أو بملف الطاقة، أو بالتوازنات الإقليمية الكبرى. وثانيها أن بريطانيا تحديداً، بحكم إرثها التأسيسي في رسم خرائط المنطقة وهندستها سياسياً وجغرافياً، أقرب إلى الشريك المؤسِّس في هذا المشروع منها إلى الطرف المعترض عليه، وهو ما يجعل اعتراضها الظاهر أعسر على التصنيف بوصفه تبايناً حقيقياً في المصالح. وثالثها أن الاعتراض اللفظي حين يظل دون آليات ردع قابلة للتفعيل، يُتيح للأطراف المعنية قراءة المشهد من زاوية الانقسام الغربي، وهي قراءة قد تُفضي إلى تأخير الاستجابة وتشتيت الحسابات.
وإذا ما أُخذت هذه الفرضية بجدية منهجية، فإنها تستدعي إعادة قراءة المشهد حول ثلاثة محاور، يتصل أولها بإعادة هيكلة موازين القوى الإقليمية عبر إضعاف الكيانات التي تشكل مراكز ثقل مستقلة، حيث يخدم التباين الظاهري فكرة «الفراغ المُسيطر عليه» الذي يُفكك مراكز النفوذ دون السماح بنشوء قوى بديلة خارجة عن السيطرة. ويتصل ثانيها بالسيطرة على الممرات الاستراتيجية ومنظومة الطاقة، وهي مسألة تتجاوز الحسابات الأمريكية الآنية لتمس البنية الاقتصادية للمنظومة الغربية في مواجهة التحولات الجيوسياسية الكبرى. أما ثالثها فيتصل بإعادة هندسة المنطقة ضمن معادلات لم تكن قائمة من قبل، حيث إيران في هذا السياق ليست غاية بعينها، والمشروع في أهدافه أوسع من تغيير نظام أو تحييد قوة إقليمية، إذ يطال البنية الكاملة للمنطقة جغرافياً وسياسياً وفق امتدادات تتجاوز الحدود القائمة المعترف بها دولياً، مستفيداً من حالة الترقب التي يفرضها التباين الظاهر على الأطراف الإقليمية.
الضبابية العالية في هذا المشهد تُلزم بفحص الفرضيات الأقل راحةً، وبالتالي فإن استراتيجية تُبنى على افتراض تباين غربي حقيقي دون التثبت من طبيعته تنطوي على مخاطرة تحليلية لا يمكن تجاهلها، والمنطقة تحمل في تاريخها الحديث تجارب راهنت على انقسامات دولية، في العراق وليبيا وسوريا، ثم وجدت نفسها أمام أمر واقع لم يقم وزناً لتلك المواقف والانقسامات اللفظية، وما يزيد هذه المعادلة حساسية أن التكاليف البشرية والحضارية لهذه التحولات تتحملها المنطقة وحدها، في حين تذهب عائداتها الاستراتيجية إلى أطراف خارجها، وهو ما يجعل دقة القراءة واجباً يتجاوز حدود التحليل الأكاديمي.
وبناء عليه يتضح أن التمييز بين التباين الحقيقي والتكامل الوظيفي في الأدوار ليس تمريناً أكاديمياً، إنما هو شرط لبناء استجابة إقليمية تقوم على قراءة واقعية للمشهد، تُدرك أن وحدة الهدف الاستراتيجي قد تظل هي الثابت، فيما تبقى التصريحات المتضاربة أداةً لإدارة مسار التحولات الكبرى لا تمثل بالضرورة تعبيراً عن خلاف أو تباين.