د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
انعكست تداعيات حرب إيران بشكل حاد على حجم الامدادات العالمية، نظراً لأن منطقة الخليج تسهم بنسبة كبيرة من حجم المعروض العالمي، خصوصا بعد تعطل حركة الملاحة بمضيق هرمز.
بلغ إنتاج تحالف أوبك بلس بلغ متوسط الإنتاج في فبراير 2026 نحو 42.72 مليون برميل يوميا، بزيادة قدرها 445 ألف برميل يوميا عن يناير، وعلى جانب العرض أبقت أوبك توقعاتها لنمو المعروض النفطي خارج دول تحالف أوبك بلس في العام الحالي 630 ألف برميل، فيما توقعت أن ينمو المعروض النفطي خلال العام المقبل 2027 بواقع 610 آلاف برميل يوميا.
وكانت الدول الثمانية الرئيسية في تحالف أوبك بلس قد اتفقت في مطلع مارس 2026 على زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميا ابتداء من أبريل، وذلك بعد قرارها السابق الذي جمد أي زيادات في الإنتاج للأشهر الثلاثة الأولى من 2026.
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تنسيق دولي صارم لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي بات فعليا خارج الخدمة، مؤكد أن أمن الممرات المائية الحيوية لا يحتمل التأجيل، وحذر ماكرون في اجتماع ترأسه لزعماء مجموعة الدول السبع من أي إجراءات حمائية فردية من قبل الدول قد تعمق من هشاشة الأسواق وتؤدي إلى زعزعة استقرار إمدادات النفط والغاز العالمية، وأضاف إنه من الضروري التواصل مع طرف ثالث لتجنب أي قيود على صادرات النفط والغاز.
توصلت الوكالة الدولية للطاقة بالإجماع طرح 400 مليون برميل من النفط من احتياطيات الطوارئ في الأسواق العالمية، وهو أكبر من المخزون الذي أطلقته 182.7 مليون برميل عام 2022 ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا، وتتخذ الوكالة من باريس مقرا لها وأن 32 من الدول الأعضاء اتفقت بالإجماع، وسيتم الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية خلال إطار زمني مناسب للظروف المحلية لكل دولة عضو، في أكبر عملية تدخل من نوعها في تاريخ الوكالة لاحتواء التداعيات الجسيمة لحرب إيران على إمدادات الطاقة، اعتبرها البعض استنزاف ثلث المخزون العالمي في عملية واحدة مغامرة لن تغني عن حل فتح الممرات، وستكون الولايات المتحدة واليابان أكبر المساهمين.
أتى هذا التوجه نتيجة ضغط من قبل الولايات المتحدة لتخفيف بعض الضغط على الأسعار العالمية، ورحب وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم بهذا الاطلاق في مقابلة مع فوكس نيوز، وأشار إلى ان العالم لا يعاني نقصا في موارد الطاقة بل مشكلة نقل وهي مؤقتة، تعمل الولايات المتحدة على حلها عسكريا ودبلوماسيا.
رغم هذه الجرعة الاستراتيجية لم تستجب الأسواق، لأن السوق وصل إلى قناعة بأن الحل المستدام لا يكمن في السحب من المخزونات، بل في استعادة الأمن بمضيق هرمز، ووصل سعر برنت في 11/3/2026 ليصل إلى 90.80 دولار للبرميل، ارتفع إلى 103.65 دولار للبرميل في 15 مارس، ووصل في 8/3/ 2026 إلى 119,50 دولار للبرميل في أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2022 لينخفض لاحقا بعد تصريح الرئيس ترمب بان الحرب مع إيران قد تنتهي قريبا.
لكن مع تصعيد إيران هجماتها على منشآت النفط والنقل في أنحاء الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف من صراع طويل الأمد، باعتبارها أزمة ذات أبعاد هيكلية، نتيجة اضطرابات في تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وهناك مؤشرات على استمرار حالة الحرب وانسداد أفق الحل الدبلوماسي، وترى الولايات المتحدة أن الخيار الوحيد المتاح هو تدمير قدرة إيران على تهديد جيرانها وممرات الملاحة، وركزت على تعطيل برنامج إيران الصاروخي والحد من نفوذها الإقليمي، وكان الاستهداف الأميركي لجزيرة خرج يرفع سقف الضغط على إيران، وتجري الولايات المتحدة تنسيقا مع حلفائها لإعادة فتح الممر المائي، وتوقع وزير الطاقة الأمريكي رايت استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ولا يمكن تنفيذ مرافقة الناقلات بالسفن الحربية حاليا.
ووفي تقرير وكالة الطاقة الدولية الشهري أن دول الخليج العربية خفضت إنتاجها النفطي الإجمالي بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميا نتيجة الحرب أي ما يعادل 10 % من الطلب العالمي، وهي تفوق ما تضخه الدول من الاحتياطي الاستراتيجي البالغ 3.3 مليون برميل يوميا.
هناك تحركات استباقية لتحركات وكالة الطاقة الدولية أعلنت اليابان العضو في مجموعة السبع عن خطط للإفراج عن احتياطيات نفطية من القطاع الخاص تكفي لمدة 15 يوما، واحتياطيات نفطية حكومية تكفي لمدة شهر، لتخفيف ضغوط العرض والطلب في سوق الطاقة العالمية، ستطرح الولايات المتحدة نحو 172 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية على مدى ثلاثة أشهر، وإجمالي ما ستطرحه اليابان نحو 80 مليون برميل، وستفرج ألمانيا استجابة لطلب وكالة الطاقة الدولية عن 54 مليون طن، وستسهم بريطانيا بنحو 13.5 مليون برميل من النفط، لمعالجة الاضطرابات في أسواق النفط.
لكن الصين رفضت طلبا تقدمت به شركة سينوبك إحدى كبرى شركات تكرير النفط في العالم، للحصول على نحو 13 مليون طن متري ما يعادل 95 مليون برميل من احتياطياتها التجارية الوطنية، وذلك لتعويض النقص المتوقع في الإمدادات في ظل تهديد الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران لصادرات الشرق الأوسط، وتعتمد الشركة لتأمين نحو 60 % من إجمالي وارداتها من النفط الخام والتي تقدر بحوالي 4 ملايين برميل يوميا، وتمتلك الصين نحو 900 مليون برميل في مخزوناتها الاستراتيجية وهو ما يعادل 78 يوما من الواردات.
وفقا لمجلة ذي بوليتيكو ان هناك قيودا فيزيائية للبنية التحتية التي تضررت جراء عمليات السحب المكثفة في عهد إدارة الرئيس بايدن، قد تحد من التدفق الفعلي إلى مليوني برميل يوميا فقط، وفي هذا السياق وصف وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت الاحتياطي الحالي مستنزف ومتضرر مؤكدا التزام إدارة ترمب بإعادة ملئه ب200 مليون برميل خلال العام المقبل لتعزيز امن الطاقة.
وما دام بقي هذا الممر الحيوي رهينة للصراع الإقليمي، فإن احتمالية حدوث قفزات سعرية جديدة تظل قائمة، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام ازمة إمدادات طويلة الأمد قد تتجاوز قدرة المسكنات الاستراتيجية على علاجها.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا