عبده الأسمري
ما بين القضاء والإفتاء والإمامة والمعرفة بنى صروح «المجد» على أركان من «الشواهد» وقواعد من «المشاهد» في مسيرة فاخرة بالفضائل وسيرة زاخرة بالمكارم..
اتخذ سبيله في «الصبر» عجباً حتى حول «المصابرة» إلى همة للمثابرة تجاوز بها أسوار «الترحال» وسبر بها «أغوار» المهام سابكاً «متون» العلوم وكاسباً «شؤون» البحوث مولياً قبلة «مآثره» قبالة «الأثر» حاصداً ثناء «الشهود» واستثناء «الصمود».
مضى «راشداً» يوزع «زكاة» العلم بين طلابه ووسط تلامذته واستمر «عابداً» يملأ «محراب» التعبد بركعات «التهجد» وسجدات «الهجوع» وظل «صامداً» يستعين بالصبر والصلاة من يقين «الخشوع» محولاً سر «العمل» إلى جهر «الفضل» الذي بقي «ناطقاً» في صدى «المآثر» ومدى «المناقب».
أنه إمام وخطيب المسجد النبوي وعضو هيئة كبار العلماء وعضو المجلس الأعلى للقضاء القاضي والفقيه الشيخ عبد المجيد حسن الجبرتي -رحمه الله- أحد أبرز الأئمة والفقهاء والعلماء في الوطن والعالم الإسلامي.
بوجه» تعلوه علامات «الزهد والود» وتقاسيم مسكونة بالتواد والتراحم وملامح «مألوفة» تتواءم مع أصوله «العريقة» تعلوها ابتسامة «الرضا» واستدامة» الوقار» وعينان تسطعان بنظرات «الرحمة» ولمحات «الألفة» وشخصية باهية الحضور زاهية التواجد تنبع منها ومضات «الفضائل» وإضاءات «المكارم» تزخر بلطف القول وعامر الرأي وسداد التوجيه وجميل اللفظ وقويم الفتوى وأنيق المعنى، ومحيا عامر بالزهد يعتمر الزي الوطني العامر بالأناقة في محاريب «المساجد» ومنابر «الدعوة» ولغة فصحى تتجلى من مخزون «ديني» زاخر بالضياء ومكنون «شرعي» فاخر بالسخاء وعبارات شرعية واعتبارات فقهيه تنبع من فصاحة «فريدة» وحصافة «منفردة» تستند على فصل «الخطاب» وأصل «الجواب» وكفاءة الرد وجودة القول، وخبرة عريضة قوامها «الفقه» ومقامها «التوحيد» ورؤية «ثاقبة» نابعة من هبة «ربانية» وموهبة» ذاتية» قضى الجبرتي من عمره «عقود» وهو يملأ «أصداء» الفتوى بجمال «الوسطية» ويبهج أجواء «الصلوات» بصوت «الترتيل» وصدى «التلاوة» ويؤصل أسس «الخطابة» بمعاني «التقوى» ومعالم «اليقين» ويكتب للأجيال ملحمة «الاحتذاء» على صفحات من التأثير خطيباً وفقيهاً وعالماً رسخ أسمه في قوائم «العلماء» بأسبقية «الفضل» وأحقية «النبل».
في مدينة جرين بمقاطعة حجة أبا جفار في «الحبشة» أرض الهجرتين ولد عام 1331 وسط أسرة توشحت سيرتها بغنائم «الدعوة» ومغانم «الهجرة» بعد أن قدم أجداده إلى المقاطعة الإسلامية الممتلئة بصفوف «العلماء والنبلاء والفقهاء» ممن نذروا أنفسهم لخدمة الإسلام والمسلمين.
تفتحت عيناه طفلاً على بيئة «دينية» ممتلئة بوميض «التعاون» ونبض «التعاضد» وامتلأ قلبه صغيراً بنصائح والده الشهير بين قومه بالوجاهة والشهامة وظل ينتهل من دعوات والدته المشهورة بالسخاء لجيرانها وقريناتها فاكتملت في طريقة دواعي «التوفيق» ومساعي «الفلاح» فنشأ محفوفاُ بتربية «شرعية» عنوانها «التقى» وتفاصيلها «العفاف» وأهدافها «العزيمة على الرشد» والغنيمة من كل خير ..
أنصت صغيراً الى تلك الحكايات «المحفوظة» في صدور الأجداد والمنقولة عبر مجالس «الآباء والأعمام» والتي كانت بمثابة مناهج أولى عن «التدين» ومنهجيات مثلى عن «الالتزام» واستمع في طفولته إلى «وميض» المواقف بين ثنايا «الترحال» وتقلبات «الأحوال» فغمرت وجدانه «الغض» سبل «العلا» وطرائق «المعالي» في منظومة جمعت ما بين «المعروف والعرفان» أمام مرأى «الذاكرة».
انتظم في حلقات «التحفيظ» التي امتلأت بها قريته الماكثة في قلب «التعلم» حيث حفِظ القرآنَ كاملًا في «سن مبكرة» ودرس متون النحو» وعلوم الشريعة على علماء مشهورين ومنهم العلَّامة الشيخ حسن أبي خيار .
ارتهن الجبرتي وهو ابن «الثالثة عشر» من عمره إلى حتمية «السفر» بحثاً عن خارطة علم «جديدة» فولى بوصلة ترحاله شطر مكة المكرمة، حيث مكث بها ثلاث سنوات، وحضر مجالس كثير من العلماء في المسجد الحرام، ودرس على يد الشيخين جمال المالكي وعبد العزيز المالكي.
ثم انتقل إلى المدينة المنورة لينعم بهدايا «الإرث النبوي» ويتنعم بعبق «الطهر المديني» حيث لازم الشيخ العلَّامة محمد الطيب الأنصاري وتعلم على يديه علوم الحديث والتفسير والتوحيد وغيرها، ودرس على يد الشيخ أمين مرشد، ونهل من مجلس الشيخ عبد الرؤوف بن عبد الباقي الأزهري كثيرًا من دروس المذهب الشافعي.
في عام 1352التحق الجبرتي بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، وتخرَّج منها عام 1355هـ.
مضى الجبرتي يطرق أبواب العلم الشرعي ويقف على منصات «المعارف» حيث قرأ وتعلم على أيادي الشيوخ عمار الأزعر الجزائري وحسن المشاط ومحمد المالكي وشيخ القُرَّاء بالمدينة المنورة حسن الشاعر.
في عام 1355هـ ثم تعيينه مدرِّسًا في مدرسة النجاح، ثم مدرسًا في دار الأيتام بالمدينة المنورة وفي أواخر عام 1359هـ أسَّس مدرسة شقراء وتعين مديراً لها.
وفي عام 1366هـ عُيِّن قاضيًا بمحكمة رابغ، وفي عام 1371هـ/ صدر أمرٌ بتعيينه عضوًا بالمحكمة الكبرى بالمدينة المنورة، ثم مساعدًا لرئيسها. وفي عام 1390 تمت ترقيته إلى قاضي تمييز، في محكمة التمييز بالمنطقة الغربية، ثم انتقل إلى الرياض عضوًا في الهيئة الدائمة لمجلس القضاء الأعلى.
تم تعيينه إماما وخطيبًا بالمسجد النبوي في عام 1371هـ واُختير عضوًا في هيئة كبار العلماء بالمملكة منذ تأسيسها، وبقي كذلك حتى أُعفي بناءً على طلبه عام 1412هـ/ 1991م
له جُموعٌ كثيرةٌ من التلاميذ، ومن أشهرهم أول أمين للمدينة المنورة صدقة حسن خاشقجي وأول مدير عام للتعليم في منطقة المدينة المنورة عبد العزيز محمد الربيع وشيخ طائفة الأدلاء بالمدينة المنورة والرئيس الأسبق للمؤسَّسة الأهلية للأدلاء عبد الوهاب فقيه وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع والرئيس الأسبق لشؤون الحرمين الشريفين وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الرحمن بن محمد السدحان وغيرهم
للجبرتي أعمال جليلة وإسهامات راسخة على صفحات التعليم حيث يعد من الرواد الأوائل ومن رجال التربية المتميزين اللذين أسهموا في تنمية الحركة التعليمية منذ انطلاقها في الوطن إضافة لما قدمه من منجزات وعطاءات أفاضت بالفضل في متون الإمامة والخطابة وأفضت إلى التميز في شؤون القضاء والإفتاء.
انتقل الجبرتي الى رحمة الله يوم السبت 17 شوال عام 1418هـ الموافق 14 فبراير 1998م وصُلِّي عليه بالمسجد النبوي الشريف، فجر يوم الأحد، ودُفن ببقيع الغرقد، وقد تم نعته مجالس الذكر ومنصات الإعلام واستعرض تلامذته وطلابه ورفقاء دربه سيرته والتي اقترنت برياحين الأثر ونفائس التأثير التي تركها ناطقة في ميادين المعارف وسامقة في مضامين المشارف.
الشيخ عبد المجيد الجبرتي.. الإمام الهمام والفقيه الوجيه.. صاحب المسيرة المعطرة بالإلهام والسيرة المسطرة بالمهام في اتجاهات النماء ومجالات السخاء.