د.عبدالله بن موسى الطاير
لا تجثم الحرب على الأنفاس فحسب، بل يسيطر على المجتمعات المعنية جنون اليقين المتمثِّل في ضيق الأفق الجماعي الذي يعمي البصيرة. عندما تضرب الأزمة، لا تكون الحقيقة أولى ضحاياها، بل التفاصيل الدقيقة، فالدماغ البشري يعود ببساطة، تحت وطأة التهديد الوجودي، إلى أبسط دوائره العصبية، أو ما يسميه علماء النفس «الرؤية النفقية»، حيث يرى الإنسان عبر أنبوب ضيق. في هذه الحالة تتحول المناقشات السياسية، التي كانت ثرية ومثيرة للجدل، فجأة إلى خيارات ثنائية حاسمة؛ معنا أو ضدنا، قوة أو ضعف، نصر ساحق أو هزيمة مذلة.
تتحكم هرمونات التوتر في عملية صنع القرار الجماعي، وتهمش الحلول المعقدة لصالح تلك الحاسمة. النتيجة شخصتها المؤرِّخة باربرا توكمان في كتابها بنادق أغسطس: «زحف كارثي نحو الحرب العالمية الأولى من قبل القوى الأوروبية التي حصرت نفسها في جداول زمنية عسكرية صارمة لدرجة أنه لا يمكن لأي حل سياسي أن يوقفها. خطط التعبئة، بمجرد تفعيلها، لا يمكن إيقافها. لقد التهمت الإستراتيجية فن الحكم». هذا فخ معرفي أول في زمن الحرب، أما الثاني فيتمثَّل في تبني المجتمعات المتحاربة روايات بطولية عن نفسها، وبسرعة مذهلة، حيث لا يصبح العدو مجرد خصم، بل شر مطلق؛ لم يكن اعتقال الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات داخل أمريكا بعد بيرل هاربر سلوكاً عنصرياً محضاً، بل كان رد فعل اقترفته ديمقراطية مذعورة، عطَّلت مؤقتاً قدرتها على تصحيح مسارها، ومع أنه أقل قسوة مما حدث للديموقراطية ذاتها بعد 11 سبتمبر 2001م، إلا أن الخوف في كلتا الحالتين طمس الخط الفاصل بين الحذر والقسوة. هناك فخ ثالث يروّج في زمن الحرب وهو التفكير المستعجل قصير المدى؛ الآن يجب أن نضرب، الآن يجب أن نقرر، الآن يجب أن نتحرك قبل فوات الأوان. هنا تختفي رفاهية التأني، لكن هل هذا الفخ الزمني حقيقي أم مصطنع؟ تشير الدراسات التي تُجرى بعد الأزمات أنه قد يكون مصطنعاً، وهو حالياً موضوع تجاذبات بين الأمريكيين والإسرائيليين. الشعور بأن التهديد وشيك لدرجة أن إجراءات التروِّي المعتادة تعد ترفاً لا يسمح به الموقف هي التي تطلق الرصاصة الأولى دون تفكير متعمِّق في كيفية إيقاف الحرب وفي نتائجها المباشرة وغير المباشرة. الاستعجال وإن كان مبرراً أحيانًا، فإنه في أغلب الأحيان فخ معرفي يحجب الخيارات التي كان من الممكن أن يكشفها التروِّي.
في مشهد الحرب المتقلِّب نفسياً، أدخلت وسائل التواصل الاجتماعي سيلاً جارفاً من المحتوى غير المعالج الذي ينتقل بسرعة وبكميات هائلة، دون أي رقابة أو مراعاة للسياق. كانت الدول في الحروب السابقة تسيطر على تدفق الصور والروايات، ويتلقى المواطنون أخبار الحرب منمقة، وتالية لوقت حدوثها، ومكيفة مع الأجندة الحكومية لإدارة الضغط النفسي على المواطنين. اليوم، تصلك أخبار ضربة صاروخية في مدينة أجنبية على هاتفك قبل أن يسكن غبارها، وتبث لقطات الطائرات المسيَّرة للدمار كمحتوى يستثير التفاعل العاطفي الفوري بما يكتنفه من مخاطر. العقل البشري لم يُصمّم لمعالجة الحزن الجماعي في وقت حدوثه، وعندما يرغم على ذلك، يلجأ إلى الاختصارات المعرفية من غضب، ويقين، وتضامن جماعي. المشهد ليس أبيض وأسود، هناك منطقة رمادية للتنفس، لكن الخوارزميات لا يعنيها الغموض، بل إبراز حدة المشاعر. سيخسر أي تحليل جيوسياسي دقيق للحرب أمام مقطع فيديو مؤثِّر، وذلك ليس لأن الناس أغبياء، بل لأن المنصة مصممة لتجاوز التفكير المتأني إلى التأثير مباشرة على العاطفة. لذا فإن الحكومات تدير في زمن الحروب الحديثة جبهة عسكرية، ودبلوماسية، وجبهة نفسية لا حدود لها، ويكاد يكون من المستحيل السيطرة عليها. والأسوأ من ذلك، أن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق ما يمكن تسميته الألفة الزائفة مع التعقيد، فمن يشاهد عدداً من مقاطع الفيديو ينتابه شعور بأنه أصبح خبيراً في الحرب. ما لم يستوعبه هذا الشخص هو التاريخ، والسياق البنيوي، ووجهة النظر المعارضة بكاملها، أو عدم اليقين الذي يتمسك به أي محلِّل متخصِّص. الجهل الواثق، يمثِّل أخطر ما تنتجه وسائل التواصل الاجتماعي في زمن الحرب.
قدَّم الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن نموذجاً لإدارة الحرب، فخلال حكمه وفي خضم أخطر انقسام داخلي في التاريخ الأمريكي، قاوم لينكولن باستمرار مطالب أنصاره بالتطرف في الانتقام. لقد كان تفكيره عميقاً وعنيداً، ودفع ثمناً سياسياً باهظاً للحفاظ على وضوح أهدافه الإستراتيجية وتناسب وسائله؛ لم يكن شعبوياً، وإنما تحمَّل ضغوط حزبه والحزب المقابل، فكانت النتيجة سلاماً متيناً وأمة أمريكية ناهضة.
الإدراك بالتفكير التكيّفي أثناء الحروب يعزِّز القدرة على استيعاب حالة عدم اليقين دون أن يلغيها، والتصرف بحزم دون التظاهر بالمعرفة المبالغ فيها. إن أصعب ما يمكن فعله عند سقوط القنابل هو التفكير ببطء، وتفهم وجهة نظر العدو، فالواقعون تحت وطأة الحرب يقاومون بعناد إغراء الرواية المثالية، ومع ذلك فإن الدول المنتصرة في الحروب هي تلك التي تحافظ على اتزانها في ظل الضغوط. وفي القرن الحادي والعشرين، لا يعني الحفاظ على الاتزان مقاومة الفخاخ النفسية القديمة للأزمات فحسب، بل يعني أيضاً مقاومة بنية تحتية جديدة تماماً، تم بناؤها لإطلاقها على نطاق واسع، دون توقف، وهي شبكات التواصل الاجتماعي.