لم يعد «موسم الرياض» يُقاس بعدد الفعاليات أو أسماء النجوم المشاركين فيه، بل بات يُقرأ من زاوية أوسع تتصل بالقيمة التي يضيفها، والأثر الذي يخلّفه في الاقتصاد والمجتمع وصناعة الترفيه. فالموسم، الذي تشرف عليه الهيئة العامة للترفيه برئاسة تركي آل الشيخ، تحوّل إلى منصة لاختبار قدرة المملكة على إدارة أحداث كبرى بمعايير تنظيمية دولية، مع ما يصاحب ذلك من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة.
من حيث القيمة الاقتصادية، أسهم الموسم في تنشيط قطاعات الضيافة والإيواء والمطاعم والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب الصناعات الإبداعية المرتبطة بالإنتاج الفني والتقني.
هذا الحراك لا يقتصر على العوائد المباشرة من بيع التذاكر، بل يمتد إلى تحفيز الإنفاق السياحي الداخلي واستقطاب زوار من خارج المملكة، بما يعزز موقع الرياض كوجهة للفعاليات الكبرى في المنطقة.
أما على مستوى القيمة المهنية، فقد مثّل الموسم مساحة لتراكم الخبرات المحلية في مجالات إدارة الفعاليات، والهندسة الصوتية والبصرية، والتسويق، وإدارة الحشود.
مشاركة الشركات الوطنية، ومنها روتانا عبر تنظيمها حفلات كبرى وفعاليات جماهيرية وتمكين الكفاءات السعودية في إدارة فعالياتها، أسهمت في نقل المعرفة وبناء كوادر قادرة على التعامل مع متطلبات إنتاج عالية التعقيد.
ويُعد تنظيم حفلات متعددة لفنانين بحجم راشد الماجد مثالًا على قدرة السوق المحلي على استيعاب الطلب المرتفع وإدارته بكفاءة.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز البعد الفني بوصفه ركيزة لا تقل أهمية عن الاقتصاد والتنظيم، حيث لعب دعم الأمير الوليد بن طلال لروتانا دورًا محوريًا في ترسيخ صناعة ترفيه متكاملة، لم تكتفِ بإنتاج المحتوى، بل أسهمت في تشكيل الذائقة وإعادة تقديم الفنان العربي ضمن منظومة احترافية تنافس إقليميًا.
هذا الدعم لم يكن مجرد استثمار في الفن، بل في بنية تحتية ثقافية، جعلت من روتانا لاعبًا رئيسيًا في مواسم الترفيه، وقادرة على إدارة حفلات ضخمة بمعايير عالمية، وتصدير تجربة سعودية مكتملة العناصر.
ومع تصاعد حضورها في «موسم الرياض»، يتجلى أثر هذا الامتداد في قدرة المنصة الفنية على الربط بين التراث الموسيقي والتقنيات الحديثة، بما يمنح الحدث بعدًا جماليًا يعمّق تجربة الجمهور ويمنحها استمرارية تتجاوز لحظة العرض.
ثقافيًا، عزز الموسم مفهوم الترفيه المنظم بوصفه جزءًا من المشهد الحضري الحديث، وأسهم في توسيع خيارات الجمهور، وإعادة تعريف العلاقة بين المدينة وسكانها وزوارها. كما وفر مساحة لالتقاء الثقافات من خلال فعاليات رياضية وفنية ذات طابع عالمي، بما يعكس انفتاحًا مدروسًا ومتدرجًا.
يبقى الأثر الأعمق في بناء صورة ذهنية جديدة عن المملكة كمركز إقليمي لصناعة الحدث، لا كمستضيف عابر لفعاليات موسمية، فالتحدي في المراحل المقبلة لن يكون في استقطاب حدث كبير، بل في ترسيخ نموذج مستدام يوازن بين الزخم الجماهيري، والعائد الاقتصادي، وبناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وفي هذا السياق، يبدو «موسم الرياض» تجربة تتجاوز حدود الترفيه إلى إعادة صياغة دور المدينة في الاقتصاد الإبداعي الحديث.
** **
صالح عيسى - مدير الإعلام - شركة روتانا للصوتيات
@salehissa