إعداد - عبدالله بن بسّام البسيمي:
تحتوي المراسلات على معلومات وأخبار متنوعة، وتدرِكُ قيمتها العلمية طائفة الباحثين. وقد صدرت خلال العقود الماضية كتب كثيرة خُصّصت لمراسلات بعض العلماء والأدباء وغيرهم. وحظي تراث المؤرّخ إبراهيم بن صالح بن عيسى بعدد كبير من الرسائل، سواء الصادرة منه أو الواردة إليه، بلغ ما نشر منها في مجموع مؤلفاته أكثر من 130 رسالة، ولا تزال تظهر مراسلات جديدة له كانت مجهولة، ومن هذه المراسلات هذه الرسالة المهمة التي تعد حتى الآن آخر رسالة كتبها بخطّه المعروف، وذلك قبيل وفاته بشهرين وستة أيام، مما يضفي على الرسالة أهمية خاصة بوصفها من آخر ما سطّره بيده. وهي تدلّ على أن المؤرخ كان متمتّعًا بصحته، فخطّه فيها هو خطّه المعهود، ولم يتغيّر كثيرًا.
علمًا أنّ آخر حدث سجّله المؤرّخ ابن عيسى فيما تمّ الوقوف عليه، نصّه: (توفي عبدالكريم بن محمد بن حمد ابن شنيبر، في ضحى يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب سنة 1343 في أشيقر، رحمه الله تعالى)، انظر: (الأعمال الكاملة للمؤرّخ ابن عيسى)، ج12، ص268، وهذا قبل تحريره للرسالة موضع المقال بأقل من شهر، وعبدالكريم المذكور هو زوج نورة أخت المؤرخ ابن عيسى.
وكانت آخر رسالة كتبها قبل هذه الرسالة، فيما عُثر عليه، مرسلة من عنيزة من محمد بن حسن إلى عبدالرّحمن البسيمي في أشيقر، كتبها المؤرخ ابن عيسى بخطّه بتاريخ 15-4-1343هـ، وذلك قبل وفاته بستة أشهر، انظرها في: (العلماء والكتّاب في أشيقر)، ج2، ص367، و410.
والرسالة موضع المقال ضمن محتويات مكتبة الشيخ عبدالعزيز بن سليمان الفريح التميمي الأشيقري (ت 1394هـ)، فيحسن التعريف بها.
المكتبة وأهميتها:
محفوظة لدى أحفاد الشيخ الفريح، وتحتوي - إضافة إلى الوثائق والكتب المطبوعة - على عدّة مخطوطات، منها: ذم التأويل لابن قدامة، بخط منصور بن محمد الدوسري، والمؤرّخ عثمان بن عبدالله بن بشر، سنة 1256هـ، في سبع ورقات، عليها وقف الناسخ منصور بن محمد. وفصل منقول من شرح منازل السائرين لابن القيم، عليه تملك المؤرخ ابن بشر، في ثماني ورقات، يحتمل أنها بخط منصور بن محمد الدوسري، وهي موقوفة. ومجموع يضم 4 رسائل، هي: عقيدة ابن قدامة، وعقيدة الواسطي، ورسالة حسن ابن بسام لمعين الدين الإيجي، وجوابه المؤرخ سنة 903هـ، ونقولات أخرى. والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي، بخط عبدالرّحمن بن محمد أباحسين، سنة 1269هـ. ونهاية الرغبة في آداب الصحبة، للسلمي، بخط الشيخ المؤرخ محمد بن ربيعة العوسجي (ت 1158هـ). وممّا فيه نقص في أوله وآخره أو أحدهما: تفسير البغوي، بخط الشيخ عبدالله ابن عضيب (ت 1161هـ)، عليه هوامش متعدّدة بخط الشيخ محمد بن أحمد القصير (ت 1139هـ). والمتجر الرابح في ثواب العمل الصالح، للدمياطي. ومقدمة ابن حجر لشرح صحيح البخاري المسمى (فتح الباري شرح صحيح البخاري). ومن النسخ المفقود أولها وآخرها ولم يتبيّن اسم عنوانها ولا مؤلفها: منظومة في مصطلح الحديث. وأربعة مخطوطات في النحو، إحداها بخط الشيخ محمد بن عبدالرحمن ابن موسى الأشيقري (ت 1354هـ). ومتفرقات أخرى.
نسخة هداية الحيارى:
ومن نفائس هذه المكتبة نسخة نجديّة من كتاب (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)، للإمام ابن القيم، ناقصة من الأخير، وعدد الأوراق الموجودة 96 ورقة (192 صفحة)، ومقاسها: 16 × 22سم، في كل صفحة 26 سطرًا، ومتوسط عدد الكلمات في السطر 11 كلمة. وبمقارنة هذه النسخة بالمطبوع، يتبين أن جانبًا من السقط وقع في خاتمة المخطوط، وأن مقدار المفقود منها يقدَّر بنحو 7.5 % من مجموع النص، وهي نسبة ضئيلة لا تقلل من قيمتها العلمية. كما لم يتضح لي اسم الناسخ، وربما يكون مثبتًا مع تاريخ النسخ في الورقة الأخيرة المفقودة. ووصفها المؤرخ ابن عيسى بأنها نسخة صحيحة، وأنّها مقروءة على الشيخ عبدالرّحمن بن حسن وأبا بطين وغيرهما.
التّقييدات والتملكات الموجودة عليها:
من أبرز ما دوّن على هذه النسخة عدّة عناوين جانبيّة، وتصحيح لبعض الكلمات، وفي ق6 (ص12) قيد قراءة بخطّ الشيخ محمد بن عمر ابن سليم (1245 - 1308هـ)، على الشيخ العلامة عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ (ت 1285هـ)، نصّه: (حــ: أي لا يلتفت إلينا ولا تلحظنا العيون شيخنا عبدالرّحمن بن حسن)، وتعليق في الهامش في ق95 (ص189) بخط الشيخ العلامة عبدالله أبابطين (ت 1282هـ)، مبيّنًا عقيدة التّثليث الباطلة عند النّصارى، ونصّه: (الأقانيم الثّلاثة، هي: الوجود، والعلم، والحياة، وحكموا بأنّها آلهة ثلاثة، إله واحد، وقالوا: إنّ الإله جوهر واحد مركّب من هذه الثّلاثة، وقالوا: مجموع هذه الثّلاثة إله واحد).
وعلى صفحة العنوان تملك بخط الشّيخ العلّامة الفقيه النّسّابة محمّد بن عبدالله ابن مانع الوهيبيّ التّميميّ (ت 1291هـ)، فيه طمس وهذا نصّه: (الحمد لله سبحانه، في حوزة فقير رحمة ربّه العلي محمّد بن عبدالله ابن مانع الحنبلي، عفى الله عنهم، آمين).
وعليه قيد عاريّة بخط الشيخ محمد ابن حميد (ت 1295هـ) مؤلف السحب الوابلة، نصه: (عاريّة عندي لمالكه المذكور، أعظم الله له الأجور، كتبه: محمّد بن عبدالله ابن حميد)، وهذا المستعير من أهالي عنيزة، وهو صديق للشيخ ابن مانع مالك المخطوطة. وتحته كلام مطموس تمامًا، لم يتّضح منه شيء، ويبدو أنه قيد تملك آخر.
وكتب المؤرّخ ابن عيسى بخطّه في الوسط تحت العنوان: (يصل إلى جناب الابن المكرّم الأمجد، عمر بن محمد ابن فنتوخ، حفظه الله تعالى).
وأثناء تصفّحي لهذه النّسخة المخطوطة وجدت في ثناياها هذه الرّسالة النفيسة، بخط المؤرخ ابن عيسى.
نصّ رسالة المؤرّخ ابن عيسى:
(بسم الله الرّحمن الرّحيم، من محبكم بلا ريب، الداعي لكم في ظهر الغيب، إبراهيم بن صالح ابن عيسى، إلى حضرة جناب الأحشم الأشيم، الابن المكرم كريم الأخلاق طيب الأعراق، الأمجد عمر بن محمد ابن فنتوخ، لا زال رافلًا في حلل السعادة، معدودًا من أهل الحسنى وزيادة، ولا برح يقلّد الأعناق مننًا ويدّخر عند الله أجرًا حسنًا، اللهم آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما تعاقبت غدوات الدّهر وروحاته، وبعد: فالموجب لتحرير الكتاب، إبلاغ جنابك الشريف من محبك جزيل السلام والتحية والاحترام، وننهي إليك أدام الله نعمته عليك، بأن الكتاب المكرم وصل، أدام الله سرورك، واتصل فسر الخاطر وأقر الناظر، حيث أفاد بطيبكم وصحة أحوالكم وسلامتكم واعتدال أوقاتكم، وكذلك الصلة المذكورة وصلت، شكر الله سعيك وجزاك الله عنا أحسن الجزاء، ولا على جنابك يا محب مشروه، ولا نحب الذي يكلفك، وعلى كل حال إن الحق لجنابك علينا، التقصير منا، لكن الابن البرّ الصفي الوفي يعذر لأن الأمور ما توافق، ونرجو من الله الكريم خيرًا، وأحسنت الإفادة من طرف منعكم العبودي، فلا غاب من أنت حضرته يا أبا محمد، يكون تطرح النظر عليه، لأن الماء يخرب البيت، ولا له علينا سبيل، لكن بعض الناس ما يبالي بالذي يضر جاره، ولا تغفل عنه اطرح البال، وكروة البيت وصلت طول الله عمرك على طاعته، وأحوالنا ولله الحمد على ما تحب، لكن العيال ودّهم بالوطن، ووعدناهم إذا زانت الأمور إن شاء الله رديناهم له، ويصل إلى جنابك مع إبراهيم بن خلف كتاب «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى»، نسخة صحيحة، لابن القيم رحمه الله، مقروءة على الشيخ عبدالرّحمن بن حسن وأبا بطين وغيرهما، وكذلك معها كتاب «الإيمان» للشيخ تقي الدين ابن تيمية، وهو في يدي وقف، والمُوقف له من أهل القصيم، وقايل لي هو في يدك، وإن أردت تحطه في يد من تراه أهلًا لذلك فعلى نظرك، وهو يصير في يدك إن شاء الله، هذا ما لزم مما يبدو لجنابك الشريف من لازم فالإشارة بشارة، ولا تجدد عندنا شيء من الكتب المطبوعة، وسلم لنا على الأخ عبدالعزيز وابنه أصلحه الله، والأخ ابن عامر، ومسامح، وابن مفدى، وأخوي، وعبدالعزيز ابن حميّد، وأخوالك، وآل جاسر، ومن يعز على جنابك، ومن لدينا العيال، والشيخ وابنه، وكافة الإخوان يسلمون، ودم سالمًا والسلام، 2 شعبان سنة 1343).
تعريف مختصر بالأعلام الواردة أسماؤهم في الرسالة:
1- الشيخ إبراهيم بن صالح ابن عيسى، المؤرخ الكبير والنّسّابة الشهير، مولده في أشيقر سنة 1270هـ، ووفاته في عنيزة بتاريخ 8-10-1343هـ.
2- الشيخ عمر بن محمد ابن فنتوخ، مولده في أشيقر سنة 1310هـ تقريبًا، ووفاته فيها سنة 1380هـ، تولى الإمامة في جامع بلدة أشيقر، كما عين مدرّسًا في المدرسة السعودية الابتدائيّة بأشيقر إلى وفاته.
3- إبراهيم بن خلف، هو إبراهيم بن عبدالله بن خلف البجادي، مولده في أشيقر سنة 1298هـ، ووفاته في مكة المكرمة سنة 1392هـ، عمّته نورة هي زوجة المؤرخ ابن عيسى، أرّخ وفاتها سنة 1325هـ.
4- الإمام ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر (691 - 751هـ)، صاحب المؤلفات المعروفة، أحد أشهر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية.
5- الشيخ تقي الدين ابن تيمية (661 - 728هـ)، شيخ الإسلام، أشهر من نار على علم، أكبر عالم في زمنه.
6- الشيخ عبدالرّحمن بن حسن آل الشيخ (1193 - 1285هـ)، العلامة الشهير، أحد أكابر العلماء في القرن الثالث عشر الهجري.
7- الشيخ عبدالله بن عبدالرّحمن أبا بطين (1194 - 1282هـ)، العلامة الشهير، أحد أكابر العلماء في القرن الثالث عشر الهجري.
8- الشيخ عبدالعزيز بن محمد ابن فنتوخ، مولده في أشيقر سنة 1311هـ، ووفاته فيها سنة 1359هـ. ولعل ابنه المقصود هو محمد، المتوفى في الرياض سنة 1428هـ.
9- ابن عامر، هو الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله ابن عامر (1259 - 1356هـ)، إمام جامع أشيقر، وناسخ الكتب الشهير.
10- مسامح، لقب للشيخ عبدالعزيز بن سليمان الفريح، المولود في أشيقر سنة 1313هـ، والمتوفى في الرياض سنة 1394هـ، وهذا اللقب أطلقه عليه والده عن قصد، مشتقًّا من خُلق التّسامح، وذلك في سنّ طفولته عندما بدأ يخرج من منزلهم ويخالط صغار السّن من أقرانه، لئلا يطلق عليه لقب آخر غير مناسب، ومسامح لقب محبب للشيخ يستخدمه أحيانًا في بعض كتاباته؛ ويعرفه به أهل بلدته أشيقر قاطبة، وكانت له حلقة علم في مسجد الفيلقيّة بأشيقر قبل التعليم النظامي، وهو أول مدير للمدرسة السعودية الابتدائيّة بأشيقر سنة 1369هـ، وزاول التدريس فيها، صدر عنه كتاب يحتوي ترجمته، وهو صاحب المكتبة التي سبق ذكر بعض مخطوطاتها، ولذلك آثرته بمزيد توضيح.
11- ابن مفدى، يظهر أن المقصود: إبراهيم بن عبدالرّحمن ابن مفدى، بيته مجاور لبيت المؤرخ، وهو أحد الشهود على وصيّته.
12- أخوي، المقصود: عبدالرحمن بن صالح ابن عيسى، أخو المؤرخ، مولده في أشيقر سنة 1280هـ، ووفاته سنة 1365هـ، تولى الوكالة على بيت مال أشيقر.
13- عبدالعزيز بن سليمان ابن حميّد، مولده في أشيقر، ووفاته فيها ليلة الخميس 5 محرم سنة 1366هـ، وهو زوج سارة بنت المؤرخ ابن عيسى.
14- أخوالك، أي أخوال الشيخ عمر الفنتوخ، وهم في أشيقر من أسرة آل ضويّان من الوهبة من تميم، وهما تحديدًا عبدالله بن علي الضّويّان (ت 1345هـ تقريبًا)، وأخوه عبدالعزيز (ت 1399هـ).
15- آل جاسر، من كبار أعيان أشيقر، ومنهم الشيخ العلامة عبدالله بن عبدالرّحمن ابن جاسر (1313 - 1401هـ)، تلميذ المؤرخ ابن عيسى.
16- العيال، غالبًا أن المؤرّخ ابن عيسى يقصد ولديه، وهما عبدالعزيز (1335 - 1427هـ)، وعبدالرحمن (1338 - 1395هـ)، وهو يذكرهما أيضًا في بعض رسائله لقاضي الكويت الشيخ عبدالله الدحيان (ت 1349هـ).
17- الشيخ وابنه، يقصد المؤرّخ ابن عيسى هنا، قاضي مدينة عنيزة الشيخ صالح بن عثمان القاضي (1282 - 1351هـ)، وابنه الشيخ عثمان (1308 - 1366هـ).
أبرز ما كشفته الرسالة:
- أن هذه الرسالة التي كتبها المؤرخ ابن عيسى جاءت جوابًا على رسالة بعثها إليه الشيخ عمر بن محمد ابن فنتوخ، مؤرخة في 2/6/1343هـ، وقد نُشر نصها في (الأعمال الكاملة للمؤرخ ابن عيسى)، ج16، ص373. ويُلحظ من مقارنة التاريخين أن جواب المؤرخ تأخر نحو شهرين كاملين.
- أن كتاب (الإيمان) لشيخ الإسلام ابن تيمية، الذي أشار إليه المؤرخ ابن عيسى في رسالته، يُرجَّح أنه هو النسخة المحفوظة ضمن مكتبة الشيخ عبدالعزيز الفريح، وهي طبعة قديمة صادرة عن المطبعة الأنصارية بمدينة دهلي سنة 1311هـ، وقد كُتب عليها بخطّ اليد: (وقف لله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، رحم الله من وقفه)، وواضح أن هذا القيد بخط غير خط المؤرخ ابن عيسى.
- أن ما ذكره المؤرخ ابن عيسى من أن نسخة (هداية الحيارى) كانت مقروءة على الشيخ عبدالرحمن بن حسن والشيخ عبدالله أبا بطين وغيرهما، يدل على مكانة هذه النسخة وأهميتها، ويغلب على الظن أن قيود القراءة المشار إليها كانت مثبتة في الورقة الأخيرة من المخطوطة، وهي في عداد المفقود اليوم.
- وتكشف الرسالة كذلك عن رغبة أسرة المؤرخ ابن عيسى في العودة إلى موطنهم أشيقر، وأنه كان قد وعدهم بذلك متى تحسنت الأحوال، غير أن وفاته حالت دون تحقق هذا الأمر، فاستمرت الأسرة في الإقامة في عنيزة.
رحم الله المؤرخ ابن عيسى وجمعنا به في دار كرامته، هو وجميع موتانا وموتى المسلمين.
** **
الوشم - أشيقر