د. فواز كاسب العنزي
في لحظات التحول الكبرى، لا تتحرك الجيوش فقط، بل تتحرك العقائد. ومع تصاعد الخطاب السياسي، ومنه ما ارتبط بمواقف دونالد ترامب تجاه استهداف مصادر القوة الإيرانية وإعادة ضبط التوازن في المنطقة، يعود مفهوم العمليات البرمائية إلى واجهة التحليل، لا كخيار نظري، بل كأحد السيناريوهات الواقعية التي قد تُستخدم عندما تصل التهديدات إلى مستوى يمس شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز ويُربك الأسواق ويضاعف كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
لكن قبل إسقاط هذا المفهوم على واقع الخليج، لا بد من العودة إلى جذوره التاريخية، حيث تشكّل وعي الجيوش الحديثة حول العمليات البرمائية.
ففي عملية أوفرلورد، التي نُفذت على سواحل نورماندي عام 1944، لم يكن الأمر مجرد نزول قوات إلى الشاطئ، بل كان نموذجًا متكاملًا لما تعنيه العمليات البرمائية في أقصى درجاتها. بدأت العملية بتمهيد استخباراتي واسع شمل دراسة دقيقة للسواحل والتيارات البحرية وطبيعة الأرض، ثم أعقب ذلك قصف جوي وبحري كثيف استهدف الدفاعات الألمانية، تزامن مع إنزال جوي خلف الخطوط لشل حركة العدو. وعندما تقدمت زوارق الإنزال نحو الشواطئ، كانت المعركة في ذروتها، حيث واجهت القوات المهاجمة مقاومة شرسة، لكنها تمكنت من تثبيت ما يُعرف برأس الجسر، وهو المفهوم الحاسم في العقيدة البرمائية، قبل أن تبدأ مرحلة التعزيز والتوسع داخل العمق الفرنسي.
هذه التجربة لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل أصبحت مرجعا عقائديا يُدرّس في كليات الحرب، لأنها جسّدت التكامل بين البحر والجو والبر، وأظهرت أن الإبرار ليس لحظة، بل عملية ممتدة تبدأ قبل النزول بوقت طويل وتستمر بعده حتى تحقيق الهدف الاستراتيجي. ومن هنا، تبلور المفهوم الحديث للعمليات البرمائية بوصفها عمليات مشتركة تتطلب تنسيقا عاليا وتفوقا شاملا.
وعندما ننتقل من نورماندي إلى مضيق هرمز، فإننا لا ننقل التجربة، بل ننقل الفهم. فالمضيق ليس شاطئًا مفتوحا، بل بيئة معقدة تتحكم فيها الجغرافيا الضيقة والتكتيكات غير التقليدية. هنا، لا تُواجه القوة المتقدمة جيشا كلاسيكيا فقط، بل منظومة تعتمد على الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة، وهي أدوات تهدف إلى استنزاف الخصم وتعطيل حركته بدل مواجهته في معركة مباشرة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن عملية برمائية في هرمز حديثا عن سيناريو مركب يبدأ بتحقيق التفوق الجوي، حيث تُستهدف منظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة والسيطرة، ويُحرم الطرف المقابل من القدرة على الرصد والتأثير. ثم تأتي مرحلة السيطرة البحرية، التي تضمن حرية الحركة للقوات وتؤمّن الممرات الحيوية، بالتوازي مع عمليات إزالة الألغام التي تُعد شرطا أساسيا لأي تقدم. ومع تراجع التهديدات، يمكن الانتقال إلى تنفيذ إبرار محدود يستهدف نقاطا استراتيجية، كالجزر التي تتحكم في خطوط الملاحة، بدل الانخراط في عمليات برية واسعة.
هذا التسلسل لا يعكس فقط طريقة التنفيذ، بل يعكس أيضًا جوهر العقيدة العسكرية الحديثة، التي ترى أن العمليات البرمائية ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق هدف استراتيجي محدد، يتمثل في السيطرة على مفاتيح الحركة والتأثير في التوازنات. وفي هذا الإطار، يصبح الهدف من أي تحرك محتمل في هرمز ليس احتلال الأرض، بل إعادة تأمين المضيق وضمان تدفق الطاقة، وهو ما ينسجم مع الخطاب الذي يرى في استقرار الأسواق العالمية جزءا من الأمن القومي.
وفي الوقت ذاته، فإن ما يُتداول عن تحركات بحرية أو ما يُعرف بالقواعد العائمة المتجهة نحو بحر العرب يعكس مستوى من الجاهزية يتماشى مع عقيدة الانتشار المسبق التي تعتمد عليها قوات مثل مشاة البحرية الأمريكية، وهي قوات متخصصة في تنفيذ العمليات البرمائية في بيئات معقدة. غير أن وجود هذه القوات في مسرح العمليات لا يعني بالضرورة أن القرار قد اتُخذ، بل يشير إلى أن الخيارات مفتوحة وأن القدرة متوفرة.
أما دول الخليج، فهي تقف في موقع مختلف، حيث تمتلك قدرات بحرية ودفاعية متقدمة، لكنها تتبنى في الوقت ذاته نهجا سياسيا يقوم على ضبط التصعيد وتجنب الانخراط في حرب شاملة. وفي مقدمة هذه الدول تبرز المملكة العربية السعودية، التي تدير توازنًا دقيقًا بين الجاهزية العسكرية والحكمة الاستراتيجية، ما يجعلها جزءا من منظومة الاستقرار الإقليمي أكثر من كونها طرفا في التصعيد.
في النهاية، تكشف المقارنة بين نورماندي وهرمز أن العقيدة العسكرية لا تُنقل كما هي، بل تُعاد صياغتها وفق البيئة والهدف. ما يبقى ثابتًا هو أن العمليات البرمائية تظل من أعقد أدوات القوة وأكثرها حساسية، لأنها تجمع بين الجرأة والدقة، وبين القدرة على الحسم والخطر بالانزلاق.
وبين التاريخ والحاضر، يبقى البحر مسرحا مفتوحا، لكن من يملك فهم العقيدة هو من يحدد كيف تُخاض المعركة، ومتى تبدأ، ومتى يجب أن تتوقف.
** **
عميد بحري ركن متقاعد - باحث في الشؤون الإستراتيجية والأمنية