العقيد م. محمد بن فراج الشهري
العداء الواضح من إيران لدول الخليج العربي لم يعد يغطيه أي قناع إطلاقاً، رغم ما قامت به دول الخليج من مساندة ومحاولة لتحسين العلاقات بينها وبين إيران إلا أن ما حدث في هذه الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كشف كل وسائل الخبث الذي تكنّه إيران لدول الخليج، وهذا ما استدعاني أعيد قراءتي لكتاب (التحالف الغادر) وهو كتاب بالغ الأهمية صدر في عام 2007م للباحث الأمريكي من أصل إيراني (تريتا بارسي) يفضح بشكل واضح الصفقات المريبة بين إسرائيل وإيران، وأمريكا، وبارسي ليس مجرد باحث أكاديمي، بل كان مستشاراً في السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كما أنه مؤسس ومدير المجلس الوطني الإيراني الأمريكي (NIAC)، وقد استند في كتابه إلى أكثر من «120» مقابلة شخصية، مع مسؤولين، وسياسيين، وأمنيين من الأطراف الثلاثة، إضافة إلى وثائق ودبلوماسية، وسجلات رسمية لم تنشر سابقاً. خلاصة الكتاب ترد بارزة في (العدو الظاهر، والحليف الخفي)، حيث يرى (بارسي) أن العلاقة بين إيران وإسرائيل لم تكن يوماً علاقة عداء مطلق، كما يروّج لها في الإعلام، بل علاقة قائمة على «الندية الحذرة والمصالح المشتركة»، فخلال الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات، كانت إسرائيل هي المزود الأكبر لطهران بالسلاح، رغم أن الخطاب الإيراني في العلن كان يصف إسرائيل بـ»الشيطان الأصغر»، بل وثق الكاتب أن 80 % من الأسلحة التي استخدمتها إيران في الحرب تمّ الحصول عليها عبر إسرائيل بتنسيق أمريكي مباشر، فيما عُرف بفضيحة «إيران - كونترا». ليس ذلك فحسب بل يشير الكتاب إلى أن إيران في بداية الثمانينات، عرضت على إسرائيل استخدام مطاراتها (وتحديداً في تبريز) في حال قررت شن غارات جوية على المفاعل النووي العراقي، وهو ما يعكس طبيعة العملية، وإن كانت تُغلف بالعداء الظاهر!! ويشير «بارسي» بوضوح إلى أن إيران وإسرائيل، كيانان طائفيان، وأقليّان في البنية الثقافية، والسياسية للمنطقة ويشتركان في هاجس واحد «تفكيك البنية السنيّة» العربية التي كانت دوماً مركز ثقل الإسلام السياسي والحضاري ؟! إذ إن إسرائيل وإيران، كلاهما يعاديان الإرث العربي الإسلامي، وكلاهما يعيد قراءات الفتح الإسلامي بوصفه «خطأ إستراتيجياً» ينبغي تصحيحه، ولو بعد قرون، بوسائل جديدة: الدولار، المليشيات، العقوبات، والصفقات الخلفية؟ ولهذا فإن العدو الحقيقي لهذين الكيانين لس بعضهما، بل المشرق العربي في هويته السنية، وهو ما يفسر الحروب التي أشعلتها إيران في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن بدعم ضمني إسرائيلي في بعض المراحل، وحيث تطلق إيران صواريخ على إسرائيل لاينظر إلى ذلك داخل دوائر القرار باعتباره إعلان حرب وجودية، بل يُقرأ على أنه «رسالة تفاوضية خشنة» وهذا ما يفسر أن المواجهات بين حزب الله وإسرائيل، مثلاً لم تتجاوز حدود «الضربات الظرفية» وأن التفاهمات بين الطرفين كانت دوماً أسرع من نار القذائف، فكلما انسدت قنوات التفاوض، اشتعلت الجبهات، وحيث يُعاد فتح القنوات، ليعود الهدوء ولو مؤقتاً، فالخريطة ليست ثنائية (عدو - صديق) بل مثلثة الأضلاع: كل طرف يرى الآخر نداً وشريكاً - مؤقتاً أو دائماً في اقتسام الكعكة، والغاية المشتركة: تصحيح التاريخ وإعادة تشكيل المنطقة؟! وهنا ما رآه «بارسي» حيث يرى بوضوح شديد، أن كُلاً من إيران وإسرائيل، تسعيان - بطرق مختلفة - إلى تصحيح ما تعتبرانه «خللاً تاريخياً» وقع في القرن السابع الميلادي، حيث زحف العرب من صحرائهم، واسقطوا عرش كسرى وقيصر، وأقاموا حضارة جديدة نقلت البشرية من عبادة البشر إلى عبادة الله، هذا «الخلل» حيث بالمنظور الإسرائيلي الإيراني، يجب أن يُصحح، لا بالسيوف كما كان في السابق، بل بالتحالفات الدولية، وتفكيك الجيوش العربية، وتحويل الشعوب إلى شعوب خائفة تبحث عن الكرامة لا السيادة ؟
الخلاصة: ما ذكره «بارسي» في عام 2007م يتضح الآن بصورة لا مجال فيها للبس أو غطاء، ورأينا إيران تصب جام غضبها ورعونتها وهياجها على جيرانها من الدول الخليجية بأعذار واهية، وكاذبة، وغير مبررة إطلاقاً، ما شأن أمريكا وإسرائيل بالبنى التحتية لدول الخليج والسفارات والمدنيين ومنابع النفط هل هي ملك لإسرائيل وأمريكا أم لدول الخليج، لقد كانت المحاولات الإيرانية الدنيئة إلى جانب إسرائيل «زج» دول الخليج في الحرب وإشعال المنطقة برمتها فأطلقت أغلب ما تملكه من صواريخ ومسيرات على دول الخليج. لكن دول الخليج كانت أكبر من هذه التوهمات المشبوهة وحافظت على هدوئها، ليس خوفاً من إيران فلديها من الاستعداد والجاهزية والقوة، ما يفوق إيران ولكن حاولت وما زالت تتمسك بهدوئها ولكنه في اعتقادي الهدوء الذي يسبق العاصفة، وستخسر إيران، جيشها وشعبها المكلوم نتيجة عنتريات «الحرس الثوري» وعدوانه السافل وغير المبرر على دول الخليج بدلاً من حماية شعبه والعودة إلى العقل والمنطق ونحن نعرف أن العداء بين إيران وإسرائيل، ليس حقيقياً مهما كانت صوره، بل غطاء لحلف مصلحي غادر، يديره الأمريكان ويتقنه الطرفان، فالخلاف بينهما ليس على المبادئ، بل على الحصص، والمشكلة ليست في ضغوط صادرة من هناك أو هناك بل في سقوط البوصلة لدى من ظنَّ أن ما يجري هو حرب «حق وباطل»، بينما هو في الحقيقة مجرد لعبة مصالح لا مكان فيها للصدق ولا للوفاء، ولا تصدقوا المسرح، فالمشهد أعمق من الدخان، والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، نسأل المولى أن يهلك الظالمين بالظالمين ويصرف عن خليجنا كيدهم وشرورهم، وشكراً لقادة الخليج على تمسكهم بزمام الصبر حتى الآن، ومعالجة الأمور بالحكمة والروَّية والتشاور. يكفي أننا عرفنا وتأكدنا أن إيران لن تكون في يوم من الأيام صديقة صادقة مع دول الخليج، إذ إنها قدمت ما يكفي من الأدلة ولم يعد بحوزتها شيء تخفيه.