د. هبة توفيق أبو عيادة
في ظل الظروف الراهنة والأزمات المتصاعدة والحروب المستمرة والصراعات المتزايدة، لم تعد الحقيبة المدرسية في زمن الحروب مجرد وعاءٍ للكتب والدفاتر؛ بل تحولت إلى صندوقٍ صغير يحمل داخله قلقاً ثقيلاً، وأسئلةً أكبر من أعمار أصحابها. إذ يسير الطلبة إلى مدارسهم وأعينهم معلّقة بالسماء أكثر من السبورة، يراقبون صوت الطائرات، وترتجف قلوبهم مع صافرات الإنذار، ويحسبون المسافات بين الانفجار والهدوء، ويبحثون عن زاويةٍ آمنة قبل أن يبحثوا عن مقعدٍ دراسي. وفي هذه اللحظة، يتغير معنى التعليم، فلا يعود مجرد تحصيلٍ معرفي؛ بل يصبح محاولةً للبقاء النفسي وسط واقعٍ مضطرب.
الحرب لا تسرق البيوت فقط، بل تسلب الإحساس بالأمان، وهو الأساس الأول الذي تقوم عليه نفسية الطالب. فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة وهو يشعر أن الطريق قد ينقطع، أو أن المدرسة نفسها قد تتحول إلى ملجأ أو هدف، يعيش حالة توترٍ دائم تجعله في حالة استعداد للخطر، لا للاستيعاب. هذا التوتر المزمن يُضعف التركيز، ويشتت الانتباه، ويجعل المعلومات تمرّ أمامه دون أن تستقر في ذهنه، لأن العقل المشغول بالخوف لا يجد مساحة للتعلم.
وفي ظل هذه الأجواء، تتبدل أولويات الطلبة. يصبح السؤال عن موعد الامتحان أقل أهمية من السؤال عن موعد الهدوء. تتراجع الرغبة في التفوق أمام الحاجة إلى الطمأنينة. بعض الطلبة يفقدون الدافعية تماماً، فيشعرون أن المستقبل غامض إلى درجة تجعل الجهد بلا معنى، بينما يحاول آخرون التمسك بالدراسة كطوق نجاة نفسي، وكأنهم يقولون لأنفسهم إن الاستمرار في التعلم هو إعلان صامت بأن الحياة لم تنتهِ بعد.
ومن أبرز الآثار النفسية للحروب على الطلبة ظهور القلق المستمر، الذي يتجلى في صورة أرقٍ ليلي، أو خوفٍ مفاجئ من الأصوات المرتفعة، أو تعلقٍ زائد بالوالدين، أو حتى تراجعٍ في المستوى الدراسي دون سببٍ أكاديمي واضح. وقد يتحول هذا القلق إلى انطواءٍ اجتماعي، حيث يفضّل الطالب العزلة، أو إلى سلوكياتٍ عدوانية نتيجة الضغط النفسي المتراكم. فالطفل الذي يعيش في بيئة غير مستقرة يعبّر عن اضطرابه بطرقٍ مختلفة، لكنها جميعاً تشير إلى عبءٍ نفسي ثقيل.
كما أن الحروب تغيّر صورة العالم في ذهن الطالب. فالمدرسة التي كانت مساحة للفرح واللعب تصبح مكاناً هشاً، والمستقبل الذي كان واضحاً يتحول إلى احتمالاتٍ غير مؤكدة. هذه التحولات تصنع ما يمكن تسميته بالطفولة القلقة، حيث يكبر الطالب قبل أوانه، ويتعلم مفاهيم الخسارة والخوف والنجاة في سنٍ مبكرة. وقد يبدو هذا النضج الظاهري قوةً، لكنه في العمق يحمل هشاشةً تحتاج إلى دعمٍ نفسي طويل.
ولا يمكن إغفال أثر الفقدان في نفسية الطلبة، فالحرب كثيراً ما تسلب صديقاً أو معلماً أو قريباً، فيجد الطالب نفسه أمام تجربة الحزن دون أدواتٍ كافية للتعامل معها. يصبح الصف الدراسي مليئاً بذكريات الغائبين، وتتحول بعض المقاعد إلى رموزٍ صامتة للفقد. هذا النوع من الحزن يؤثر في المشاعر والسلوك، وقد يؤدي إلى انخفاض الثقة بالحياة، أو الشعور بعدم الاستقرار العاطفي.
وفي المقابل، تظهر لدى بعض الطلبة محاولات للتكيّف، فيبحثون عن الأمل داخل التفاصيل الصغيرة. قد تصبح المدرسة ملاذاً نفسياً يخفف من ضغوط الواقع، وقد يتحول المعلم إلى مصدر أمان، والكلمة الطيبة إلى دعمٍ عميق. في مثل هذه الظروف، تكتسب البيئة التعليمية دوراً إنسانياً يتجاوز التعليم إلى الاحتواء، حيث يصبح الإصغاء لمخاوف الطلبة جزءاً من العملية التربوية، وليس أمراً ثانوياً.
إن للأسرة دوراً محورياً في تخفيف آثار الحرب على نفسية الطلبة. فالحديث معهم بصدقٍ مطمئن، وتوفير روتين يومي قدر الإمكان، وتعزيز الشعور بالأمان داخل البيت، كلها عوامل تساعد في إعادة التوازن النفسي. يحتاج الطالب في زمن الحرب إلى رسالة واضحة مفادها أن الخوف مفهوم، لكنه ليس نهاية الطريق، وأن الحياة رغم اضطرابها ما تزال قابلة للاستمرار.
إن أخطر ما تفعله الحروب بنفوس الطلبة أنها تجعل القلق رفيقاً دائماً، يرافقهم إلى الصفوف، وإلى دفاترهم، وحتى إلى أحلامهم. لكن في المقابل، فإن الدعم النفسي، والاحتواء التربوي، والكلمة الدافئة، يمكن أن تخفف من ثقل هذه الحقائب. فالطالب الذي يشعر بأن هناك من يفهم خوفه، ويحتضن قلقه، يستطيع أن يواصل التعلم رغم كل شيء.
ختامًا، تبقى الحقيبة المدرسية رمزاً للأمل، حتى وإن امتلأت بالقلق. فكل دفترٍ يُفتح في زمن الحرب هو إعلانٌ بأن المعرفة أقوى من الخوف، وكل طالبٍ يواصل طريقه إلى المدرسة هو رسالة بأن المستقبل لا يزال ممكناً. قد تثقل الحروب قلوب الطلبة، لكنها لا تستطيع أن تُطفئ فيهم رغبة الحياة، ولا أن تمنعهم من حمل أحلامهم، حتى لو حملوها بيدٍ ترتجف، وقلبٍ يبحث عن الأمان.
** **
- رئيس قسم الإدارة التربوية (الدراسات العليا) الجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا