د.شامان حامد
تحت وطأة اختناق مضيق هرمز ورهان الـ40 يوماً، والعالم يحاول بصعوبة التنفس والتخلص من آثار «الكمامة» النفسية والاقتصادية، استيقظنا على كابوس جيوسياسي لم يكن يوماً مجرد فرضية، بل هو «صمام الأمان» الذي انفجر فجأة في مشهد أكثر قتامة؛ مياه زرقاء في مضيق هرمز الذي هو بمثابة «سكتة قلبية» للاقتصاد العالمي، الذي يضخ عبر هذا الشريان نحو 20 % من استهلاك النفط العالمي، وحرمان ناقلات النفط من المرور لعواصم تطفئ أنوارها قسراً كدول الاتحاد الأوروبي. لم يعد الحديث اليوم عن «تضخم» أو «ركود»، بل عن بقاء دول بأكملها على قيد الحياة.
لنرى ساعة مانيلا الرملية، في حالة نموذجية تتصدرها الفلبين كـ «مختبر للأزمات»، وإعلان مانيلا عن امتلاكها وقوداً يكفي لـ 40 يوماً فقط ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو عد تنازلي لكارثة وطنية، ليضع الحكومة والشعب في مواجهة ساعة رملية قاتلة.. في بلد يعيش على حركة «الجيبني» وشرايين النقل البحري، يعني نفاد الوقود توقف النبض في الجسد الفلبيني، لتكون «فترة احتضار» اقتصادية إذا لم تتحرك القوى الكبرى لفك الخناق عن مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية.
ومن «كمامات» كورونا إلى «صمامات» النفط: التشابه المريب، فلا يمكن للمراقب المحايد إلا أن يشعر بنوع من «الديجافو» (الرؤية المتكررة). بالأمس، كانت الفيروسات هي ذريعة «حالة الطوارئ» وإغلاق الحدود وتقييد الحركة. اليوم، يلعب «شح الوقود» الدور نفسه؛ فكلاهما أدى إلى شلل في سلاسل الإمداد، وكلاهما دفع المجتمعات نحو حالة من «الذعر المنظم» الذي يجعل الشعوب تقبل بسياسات تقشفية أو قيود أمنية لم تكن لتقبل بها في الظروف العادية. فهل نحن أمام «هندسة اجتماعية» جديدة تستخدم الطاقة كأداة للضبط والربط؟
إنها اللعبة المكشوفة لعبة جيوسياسة لكنها فوق الأجساد هناك خلف دخان الناقلات المتوقفة، تدور رحاها، فإغلاق المضائق لا يحدث في فراغ؛ بل هو ورقة ضغط إستراتيجية تُستخدم في بازار المفاوضات الكبرى. وبعض القوى الدولية تجد في هذا الإغلاق فرصة ذهبية لإعادة تشكيل موازين القوى لتعزيز نفوذها على حساب القوى التقليدية المعتمدة كلياً على الاستيراد، وتحويل «العجز الطاقي» إلى تنازلات سياسية وسيادية، كسلاح «دمار شامل» اقتصادياً لإرغام الخصوم على التنازل في ملفات شائكة (نووية، حدودية، أو تجارية).
إنها «قرصنة شرعية» على حساب شعوب مثل الفلبين ودول جنوب شرق آسيا، تُثبت أن «الأمن الطاقي» لا يُشترى بالمال فقط، بل بالاستقلالية. على الدول المتأثرة اليوم أن تدرك أن الاعتماد على ممر مائي واحد أو مصدر طاقة وحيد هو بمثابة انتحار بطيء. وبالتالي يجب تنويع الممرات لا المصادر فقط، والاستثمار في خطوط أنابيب تتجاوز المضائق المهددة، وتعزيز الربط الكهربائي الدولي. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو حبل مشنقة يلتف حول عنق الاقتصاد العالمي كلما أرادت قوة ما تغيير قواعد اللعبة. وإذا كان لدى الفلبين 40 يوماً فقط، فإن لدى العالم وقتاً أقل لإعادة التفكير في «عبودية الطاقة» قبل أن يغرق الجميع في ظلام دامس، لا تنفع معه اعتذارات السياسيين ولا بيانات التنديد.