سعدون مطلق السوارج
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ بحريٍ حساس، بل تحوّل إلى ساحة اختبار عالمية لإرادة القوة: من يملك القدرة على تهديد الاقتصاد الدولي… ومن يملك القدرة على حمايته؟
ما يجري اليوم يتجاوز كونه تصعيداً إقليمياً، ليصبح اختباراً حقيقياً لصلابة النظام الدولي ذاته.
إيران رفعت سقف المواجهة إلى أقصاه، عبر تعطيل الملاحة وتهديد منشآت الطاقة، في محاولة واضحة لاستخدام الجغرافيا كأداة ضغط سياسي واستراتيجي.
لكن ما لم تحسبه طهران بدقة… أن الجغرافيا حين تُستخدم كسلاح، تتحول في الوقت ذاته إلى نقطة انكشاف.
فهذا المضيق، الذي يمر عبره نحو 20 % من إمدادات الطاقة العالمية وفق تقديرات دولية، لم يعد مجرد ممر يمكن احتكاره، بل شريان حيوي تتقاطع عنده مصالح العالم بأسره، من الشرق إلى الغرب.
التهديد وحدوده
إغلاق المضيق لا يعني السيطرة عليه… بل يكشف حجم المخاطرة الاستراتيجية.
فأي تعطيل فعلي لهذا الشريان الحيوي لا يهدد منطقة بعينها، بل يدفع نحو تدويل فوري للأزمة، ويستدعي استجابة تتجاوز الإطار الإقليمي إلى تحرك دولي واسع لحماية تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن الهجمات السريعة والمتكررة التي تشهدها المنطقة منذ بداية الأزمة الحالية، والتي طالت محيط الخليج بوسائل متعددة، في محاولة لفرض واقع أمني مضطرب.
لكن المفارقة الواضحة أن هذه الهجمات -رغم حدّتها- لم تحقق هدفها، بل أدت إلى نتيجة معاكسة:
تسريع التنسيق الخليجي، ورفع مستوى الجاهزية، وتعزيز الحضور الدولي في حماية الممرات الحيوية.
وهنا تتجلى معادلة دقيقة:
كلما ارتفع منسوب التهديد تقلّصت قدرة من يهدد على التحكم في نتائجه.
الخليج… من الجغرافيا إلى الدور
في قلب هذه المعادلة، يبرز تحول استراتيجي بالغ الأهمية:
الخليج لم يعد مجرد موقع جغرافي تمر عبره الطاقة… بل أصبح فاعلاً رئيسياً في إدارة استقرارها.
الاستجابة لم تكن انفعالية، بل منظمة ومحسوبة:
تنسيق أمني متقدم، جاهزية بحرية عالية، وتحركات سياسية متوازنة، مدعومة بشراكات دولية واسعة.
هذا التحول يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة:
إدارة الأزمات لم تعد خياراً… بل ضرورة استراتيجية.
الفارق هنا واضح:
بين طرف يحاول فرض الفوضى كوسيلة ضغط، وطرف يعمل على احتوائها وتحويلها إلى توازن.
المفارقة الإستراتيجية
كلما صعّدت إيران خطواتها، اتسعت في المقابل دائرة الإجماع الدولي على حماية الملاحة.
وكلما حاولت تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز، تعزز موقع الخليج كشريك محوري لا يمكن تجاوزه في معادلة استقرار الطاقة العالمية.
هذه ليست مواجهة تقليدية بين قوتين، بل إعادة تعريف لمفهوم القوة ذاته: لم تعد القوة في القدرة على التعطيل، بل في القدرة على منع التعطيل من أن يصبح واقعاً دائماً.
الخلاصة: من يملك القرار؟
السؤال اليوم لم يعد: من يستطيع التصعيد؟ بل: من يستطيع إدارة العالم دون أن يدفعه إلى الفوضى؟
الإجابة تتشكل بوضوح في قلب هذه الأزمة: القوة الحقيقية لم تعد في امتلاك أدوات التهديد، بل في القدرة على جعلها بلا جدوى.
وفي هذا السياق، يبرز الخليج كمنظومة أكثر تماسكاً ووعياً، قادرة على تحويل أخطر الممرات البحرية في العالم من نقاط توتر… إلى معادلات استقرار.
وفي عالم سريع التحول، قد ينجح التهديد في لفت الانتباه… لكنه يفشل حين يواجه منظومة تعرف كيف تُفشل أثره قبل أن يتحول إلى واقع.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي