مرفت بخاري
قد يُشرق في القلب وجهٌ لم نكن نُحسن النظر إليه، فيغدو بغيضُ الأمس حبيب اليوم، بعد أن تتكفّل المواقف بتلميع حقيقته، وتُعيد الأفعال رسم ملامحه في أعيننا.
وقد يأفل وجهٌ آخر، كنا نُجلّه حدّ الامتلاء، فإذا به ينكسر في لحظة صدقٍ جارحة، فيتهاوى من عليائه، ويغدو حبيب الأمس غريبًا لا يشبهنا.
ليست القلوب خائنة، لكنها أيضًا ليست غافلة إلى الأبد.
فهي وإن صبرت، تُدوّن، وإن سامحت، لا تنسى تمامًا، وإن أحبت، لا تُلغي كرامتها.
في بدايات الأشياء، نُجيد التبرير أكثر مما نُجيد الفهم، ونُحسن التغاضي أكثر مما نُحسن المواجهة.
لكن بعد الاختلاف.. بعد أول شرخٍ صادق، تبدأ الحقيقة في التسرّب، لا كصدمة، بل كيقينٍ بطيء يُرهق الروح. وهنا، لا يكفي العتاب الرقيق، ولا تليق الأعذار المستعارة.
بعض الأخطاء لا تُصلحها الكلمات، بل يُقوّمها الموقف.
وبعض القلوب لا تحتاج اعتذارًا.. بل تحتاج أن ترى ثمن ما كُسر فيها.
في العلاقات، وخصوصًا تلك التي ظنناها مأمنًا، لا يكون العقاب دائمًا قسوة، بل أحيانًا يكون انسحابًا نظيفًا، أو صمتًا يليق بحجم الخيبة، أو مسافةً تُعيد ترتيب الكرامة قبل المشاعر.
فالذي يخذل، لا يستحق ذات المساحة التي مُنحت له يوم كان جديرًا بها.
الكائنات حيّة، تتأثر، تنضج، وتُعيد ترتيب انتماءاتها وفق ما يُقدَّم لها من صدقٍ أو خذلان.
فالحبّ لا يُورَّث، والبغض لا يُخلّد، وإنما كلاهما عابران في دروب النفس، تحكمهما مواقف، وتُسيّرهما اختبارات.
في تفاصيل الحياة اليومية، نعبر على وجوهٍ نظنها عابرة، فنُشيح عنها، ثم تعود إلينا الأيام بها، وقد ارتدت من الجمال ما لم نلحظه، أو من النُّبل ما لم نتبيّنه.
ونحتفي بوجوهٍ أخرى، نُسكنها في أعمق زوايانا، حتى إذا امتحنتها الحياة، كشفت لنا ما لم نكن نجرؤ على رؤيته.
أما في الحياة الزوجية.. حيث القلب أكثر عُرضة للمدّ والجزر، وأكثر قابلية للانكسار والالتئام، فإن الحكاية لا تُروى بالعاطفة وحدها.
هناك، لا يكفي أن نُحبّ لنستمر، ولا أن نغضب لنفترق.
بل لا بدّ من عقلٍ يتكئ عليه القلب حين يضطرب، ومن رزانةٍ تُمسك بزمام اللحظة حين تتفلّت الكلمات، فتمنعها من أن تتحوّل إلى ندوبٍ لا تُشفى.
فكم من محبةٍ عظيمة أفسدها اندفاع، وكم من علاقةٍ كان يمكن إنقاذها لو أُحسن تأويل موقف، أو أُجِّل حكم.
وكم من قلوبٍ حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تُقنع شريكها بصلاح وجودها في حياته، حتى تيقّنت بعد طول سعي، أن بعض المحاولات تُهدر في غير موضعها.
تُدرك حينها أن بخلاء المشاعر لا يرون العطاء تضحية، بل عبئًا..
ولا يقرأون المحاولات وفاءً، بل إلحاحًا مُرهقًا لا يليق بهم تقبّله.
فيتّضح لك، ببطءٍ مؤلم، أن ما بذلته لم يكن موضع تقدير،
وأن القلوب التي لا تُجيد الاحتواء.. ستظل ترى ما يُقدَّم لها أقل مما هو عليه، مهما بلغ من صدقٍ وعمق.
وفي ميادين العمل، حيث تُقاس الأمور بميزان الإنجاز لا الودّ، نحتاج أن نرتقي فوق انفعالاتنا، فلا نُفرط في التعلّق، ولا نستسلم للنفور.
نختلف، نعم، لكننا لا نُقصي.
نتحفّظ، لكننا لا نظلم.
فنُدرك أن الإنسان قد يُخطئ اليوم ويُبدع غدًا، وأن الحكم عليه لا ينبغي أن يُختزل في لحظة عابرة.
إن الحكمة كلّ الحكمة أن نُبقي قلوبنا متّسعة، لا تُغلق أبوابها بإحكام، ولا تفتحها بلا وعي.
أن نُحبّ بوقار، ونبغض بعدل، وأن نترك دائمًا فسحةً لاحتمال أن يتبدّل كل شيء.. إلا اتزاننا. فلا حبّ يُؤمَن له البقاء، ولا بغضٌ يُرجى له الخلود..
وإنما الذي يليق بنا... أن نظلّ أسمى من تقلّباتنا، وأهدأ من اندفاعنا، وأصدق في إنصافنا.. حتى حين تتغيّر الوجوه في مرآة القلب.
ويبقى السؤال الأكثر قسوة، هل يُنصف الندم ما أفسده الخذلان؟
الندم... شعورٌ نبيل حين يأتي في وقته، وحين يُترجم إلى تغيير.
لكنه إن جاء متأخرًا، بعد أن بردت القلوب، واستعادت الأرواح اتزانها بعيدًا عمّن آذاها.. فإنه لا يُعيد ما كان، بل يُثبت فقط أن الحقيقة كانت كما شعرنا بها منذ البداية.
لسنا مطالبين بأن نُغلق الأبواب بقسوة، ولا أن نُبقيها مشرعة بلا وعي.
لكننا مطالبون على الأقل أن نُحسن اختيار من نسمح له بالعودة، ومن نُجيد توديعه دون ارتباك. فلا حبّ يدوم، ولا بغض يبقى.. لكن الكرامة، إن سقطت مرة، لا تعود كما كانت.
لهذا، نُحبّ بوعي، ونعاتب بصدق، ونعاقب حين يجب لا انتقامًا، بل اتزانًا يليق بنا،
ولا قسوةً، بل حفاظًا على ما تبقّى منّا.
نحن نبحث عن أناس أصحاء لا يُجيدون الصراخ..
لكنهم يُجيدون الفهم، ويُجيدون أيضًا أن يُغلقوا الأبواب حين يكتمل الإدراك.
حين يكثر العذر، يختفي الاحترام.
وحين تُفسَّر التصرفات أكثر مما تُفسَّر.. فاعلم أن المسافة بدأت تتّسع، لا لأنهم ابتعدوا، بل لأن الطرف الآخر لم يُبقِ ما يستحق البقاء.
لا تُربكهم الأخطاء بقدر ما يُربكهم تكرارها، وكأن الطرف الآخر يُصرّ أن يُظهر نفسه على غير حقيقته.
العتاب عندهم ليس ضعفًا، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من شيءٍ كان عزيزًا.
فإذا تم تجاهله.. فقد اختار صاحبه أن يتحمّل صمتهم، لا غضبهم.
أما العقاب فليس في ارتفاع الصوت، بل في الهدوء المفاجئ.
في تلك المسافة التي لا تُرى، لكنها تُشعر بكل شيء.
في قرارهم أن يروا الحقيقة كما هي.. لا كما تمنّوها.
فبعض الأذى لا يُغتفر بالندم، وبعض العتاب لا يبرئ نزفًا، وبعض العطاء لا يُلملم شتاتًا،
وبعض الندم لا يجبر كسرًا، فكونوا حريصين على دوائركم الأولى، فبقاء من يسكنها حقٌّ لا يُمنح لكل عابر.
وإن لم يُقابل هذا الحرص بما يستحقه، فلا تُطيلوا البحث عمّن لا يرى قيمتكم، ولا تُعاتبوا غياب من اختار أن يُبقيكم خارج دائرته، فمن أراد أن يُحصّنكم في قلبه لن يرضى أن تكونوا مجرد زائرين على الهامش.
لا تطلبوا ما تستحقونه حتى لا يُستكثر عليكم ما هو حقٌ لكم من الأساس، وكأنكم ترجون الفتات فيستكثرونه عليكم .
كونوا بخير..